بصرى فنزل تحت ظل شجرة هناك قريبة من صومعة نسطورا الراهب فقال نسطورا : يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة ؟ فقال : رجل من قريش من أهل الحرم ، فقال له الراهب : ما نزل - أي في هذه الساعة - تحت هذه الشجرة بعد عيسى إلّا نبي . ثم دنا إليه صلى اللّه عليه وسلم وقبّل رأسه وقدميه وقال : آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكر اللّه في التوراة . فلما رأى الخاتم قبّله وقال : أشهد أنك رسول اللّه النبي الأمي الذي بشّر بك عيسى فإنه قال :
لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلّا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد . ثم قال الراهب لميسرة : في عينيه حمرة ، قال ميسرة :
نعم لا تفارقه أبدا ، قال الراهب : هو هو وهو آخر الأنبياء ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج . فوعى ذلك ميسرة ثم حضر صلى اللّه عليه وسلم سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى وكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة فقال الرجل : احلف باللات والعزى ، فقال : ما حلفت بهما قط ، فقال الرجل : القول قولك ، ثم قال لميسرة وخلا به : هذا نبي والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم . فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعا وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية - أي غرفة لها - رأت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على بعير وملكان يظلان عليه . رواه أبو نعيم ، زاد غيره : فأرته نساءها فعجبن لذلك ودخل عليها صلى اللّه عليه وسلم فأخبرها بما ربحوا فسرت فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت ، فقال : قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام . وأخبرها بقول نسطورا وقول الآخر الذي خالفه في البيع وربحت ضعف ما كانت تربح فأضعفت ما كانت سمته له .
ثم بعد قدومه صلى اللّه عليه وسلم من الشام بشهرين وخمسة وعشرين يوما تزوج مولاتنا خديجة بنت خويلد بن أسد التي كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وبسيدة نساء قريش ، كما كانت تدعى بذلك في الإسلام ، وكانت أولا تحت أبي هالة بن زرارة التميمي فولدت له ذكرين أحدهما هندا الصحابي الجليل راوي حديث صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والثاني هالة له صحبة ثم بعد موته تزوجها عتيق بن عابد المخزومي فولدت له بنتا اسمها هند لها صحبة ، وقيل أن تزوج عتيق بها قبل أبي هالة . حكي القولين في الإصابة . ولما تزوجها صلى اللّه عليه وسلم كان لها من العمر أربعون سنة ، وكانت امرأة حازمة ضابطة شريفة في قومها أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال فأراد اللّه بها خيرا وكرامة فعرضت نفسها على سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم لما حدثها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات .
ولما ذكره ابن إسحاق أنه كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه فاجتمعن يوما فيه فجاءهن يهودي فقال : يا معشر نساء قريش ، إنه يوشك فيكن نبي ، فأيتكن استطاعت أن
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 128
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٨