وروى أبو نعيم وغيره عن ابن عباس قال : كان بنو أبي طالب يصبحون عمشا رمصا ويصبح محمد صلى اللّه عليه وسلم صقيلا دهينا كحيلا ، وكان أبو طالب يحبه حبا شديدا لا يحب أولاده كذلك ولذا لا ينام إلّا إلى جنبه ويخرج به متى خرج .
وذكر ابن قتيبة في غريب الحديث : أنه كان يوضع له الطعام ولصبية أبي طالب فيتطاولون إليه ويتقاصر هو وتمتد أيديهم وتنقبض يده تكرما منه واستحياء ونزاهة نفس وقناعة قلب ويصبحون عمشا رمصا مصفرة ألوانهم ويصبح هو صلى اللّه عليه وسلم صقيلا دهينا كأنه في أنعم عيش وأعز كفاية لطفا من اللّه تعالى به ، ولما بلغ صلى اللّه عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ، وقيل ثلاثة عشر ، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى - بضم الباء - مدينة من عمالة الشام هي أول مدينة فتحت بابها فرآه بحيرى الراهب - بفتح الباء وكسر الحاء المهملة آخره راء مقصورة - واسمه جرجيس - بكسر الجيمين - كان إليه علم النصرانية فعرفه بصفته .
وفي رواية للترمذي والبيهقي وابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : خرج أبو طالب إلى الشام ومعه النبي صلى اللّه عليه وسلم في أشياخ من قريش ، فلما أشرفوا على الراهب - يعني بحيرى - هبطوا فحلّوا رحالهم فخرج إليهم وكان قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت ، قال : فنزل وهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال :
هذا سيد المرسلين ، هذا سيد العالمين ، هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين ، فقيل له : وما علمك بذلك ، قال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلّا خرّ ساجدا ولا يسجدان إلّا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوءة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة وإنا نجده في كتبنا .
وفي حديث البيهقي وأبي نعيم : أن بحيرة رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظلّه من بين القوم ، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشجرة وتهصرت - أي مالت - على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى استظل تحتها ، أراد الواقدي أنه صلى اللّه عليه وسلم لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسا تحتها وقام انقلعت من أصلها ، زاد في رواية ابن إسحاق أنه قال له : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلّا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : لا تسألني بهما شيئا فو اللّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما . فقال له بحيرى : فباللّه إلّا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال له : سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن حاله ونومه وهيئته وأموره ويخبره صلى اللّه عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته ، ورأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده فلما فرغ أقبل على عمه فقال له : ما هذا الغلام منك ، قال : ابني ، قال : فما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ، قال : فإنه ابن أخي ، قال : فما فعل أبوه ، قال : مات وأمه حبلى به .
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 126
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٦