فقلت : ألا تذرني حتى أشاور صاحبي ، قال : بلى ، فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته فكأن اللّه قذف في قلبه فرحا وسرورا ، فقال لي : يا حليمة خذيه ، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعدا ينتظرني ، فقلت : هلمّ الصبي فاستهلّ وجهه فرحا فأخذني وأدخلني بيت آمنة فقالت لي : أهلا وسهلا وأدخلتني البيت الذي فيه محمد صلى اللّه عليه وسلم فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن وتحته حريرة خضراء راقد عليها على قفاه يغط تفوح منه رائحة المسك ، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله ، فدنوت منه رويدا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا وفتح عينه ينظر إليّ فخرج منهما نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر فقبّلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن فأقبل عليه بما شاء من لبن فحوّلته إلى الأيسر فأبى ، وكانت تلك حاله بعد . قال العلماء : ألهمه اللّه تعالى أن له شريكا فألهمه اللّه العدل ، ثم قالت حليمة : فروى وروي أخوه ثم أخذته بما هو إلى أن جئت به رحلي فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب أخوه ، فقام صاحبي - تعني زوجها - إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل ، فحلبا منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريّا وشبعا وبتنا بخير ليلة ، فقال صاحبي حين أصبحنا : واللّه يا حليمة إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ، فقلت : واللّه إني لأرجو ذلك . ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته معي عليها فو اللّه إنها قطعت بالركب ما يقدر على مرافقتها شيء من حمرهم حتى أن صواحبي يقلن لي وهي ورائي : يا بنت أبي ذؤيب ويحك اربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت عليها تخفضك طورا وترفعك طورا آخر . فأقول لهن : بلى واللّه إنها لهي ، فيقلن : واللّه إن لها لشأنا عظيما ، قالت حليمة : وكنت أسمع أتاني تنطق وتقول : واللّه أن لي لشأنا ثم شأنا شأني بعثني اللّه بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي ، ويحكنّ يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة ، وهل تدرين من على ظهري ، على ظهري خير النبيين وسيّد المرسلين وخير الأولين والأخيرين وحبيب رب العالمين .
روي أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت ، أي خفضت رأسها ، نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت قالت : ثم قدمنا منازلنا بني سعد ، ولا أعلم أرضا من أرضى اللّه أجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا أي غزيرات اللين فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان المقيم في المنازل من قومنا يقول لرعائهم : ويحكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، يعنونني ، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا . فللّه درّها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت ، فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى والزيادة .
لقد بلغت بالهاشمي حليمة * مقاما علا في ذروة العز والمجد