الاثنين ورفع صلى اللّه عليه وسلم الحجر يوم الاثنين ، ه ، أي لما بنى قريش الكعبة سنة خمس وثلاثين من مولده صلى اللّه عليه وسلم ، واختصموا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه حتى أعدوا للقتال ، ثم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا فقال أبو أمية بن المغيرة - وكان أسنهم - : يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل من باب هذا المسجد - يعني باب بني شيبة - يقضي بينكم . فكان صلى اللّه عليه وسلم أول داخل ، فقالوا : هذا الأمين رضينا . وأخبروه الخبر ، فقال : « هلم إليّ ثوبا » ، فأتي به فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده ثم قال : « لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا » ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى اللّه عليه وسلم .
وذكر السهيلي : أن إبليس لعنه اللّه حضر معهم في صورة شيخ نجدي لما حكّموا النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال لهم : قد رضيتم أن يضع هذا الركن الذي هو شرفكم غلام يتيم دون أن يضعه ذوو أنسابكم . فكاد يثير شرّا بينهم ، ثم سكتوا . ثم إن حديث ابن عباس المذكور فيه إرسال صحابي لأنه لم يدرك ذلك وكان في الهجرة ابن ثلاث سنين ويؤخذ من هذا الحديث أفضلية يوم الاثنين على سائر أيام الأسبوع - أي إلّا يوم الجمعة - والكلام في نظائر يوم الولادة لا فيه بنفسه فإنه أفضل من يوم الجمعة ومن سائر المواسم ، وقد كان يوم الجمعة معظما عند العرب ، ويوم السبت عند اليهود ، ويوم الأحد عند النصارى ، فعظّم اللّه يوم الاثنين بولادة النبي صلى اللّه عليه وسلم فيه ليكون خاتمة الأيام المعظّمة كما أنه صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين .
قال العارف باللَّه تعالى القطب مولانا أحمد التيجاني رضي اللّه عنه : تفكرت في اختصاص سيد الوجود صلى اللّه عليه وسلم بيوم الاثنين فتبين لي أنه لما كان هو الوجود الثاني لم يتقدمه إلا الوجود القديم وكذلك هذا اليوم هو الثاني من الأيام لم يتقدمه إلا يوم الأحد فلهذا كان تقلّب أطواره صلى اللّه عليه وسلم في يوم الاثنين ، فيه ولادته وفيه هجرته وفيه دخوله لطيبة وفيه أرسل ، وكذلك سيدنا آدم عليه السلام في اختصاصه بيوم الجمعة وتقلّب أطواره فيه لمناسبة وجوده فيه لأن سيدنا آدم هو الوجود الأخير وهو المعبر عنه عند العارفين بالتجلّي الأخير واللباس الأخير وهذا اليوم هو الأخير من الأيام التي خلق فيها خلقه تعالى ، خلق السماوات والأرض في ستة أيام في اليوم السابع قال تعالى : ثم استوى على العرش على ما أراد وعلم ولم يخلق فيه مخلوقا فلهذه المناسبة كانت أطوار سيدنا آدم عليه السلام من خلق ودخول الجنة وخروج منها وتوبة فيه ، ولا يلزم على هذا أفضلية يوم الاثنين على الجمعة لاختصاص أطوار سيد الوجود صلى اللّه عليه وسلم به ، فإن التفضيل أمر إلهي لا علّة له ولا قياس ، يفضل اللّه ما شاء بما شاء على ما شاء ، فما سمع من التفضيل لمخلوق من خبر اللّه وخبر رسول اللّه فهو المفضل وما لا فلا ، انتهى .
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 119
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١١٩