المقربين أهل الصدق والوفاء ، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر والفخر المصون ، فقد خصصها اللّه تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب لأنها أفضل قومها حسبا وأنجب وأزكاهم أخلاقا وفرعا وأطيب .
وقال سهل بن عبد اللّه التستري فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ : لما أراد اللّه خلق محمد صلى اللّه عليه وسلم في بطن آمنة ليلة رجب وكانت ليلة جمعة أمر اللّه تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس ونادى مناد في السماء والأرض : ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه ويخرج إلى الناس بشيرا ونذيرا .
وفي رواية كعب الأحبار أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها والأرض وبقاعها : أن النور المكنون الذي منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بطن آمنة ، فيا طوبى لها ثم يا طوبى . وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا منكوسة وكانت قريش في جدب شديد وضيق عظيم فاخضرت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم الرفد من كل جانب فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنة الفتح والابتهاج .
وفي حديث ابن إسحاق : أنّ آمنة كانت تحدث أنها أتيت حين حملت بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فقيل لها : إنك حملت بسيد هذه الأمّة . وقالت أيضا - كما رواه ابن إسحاق - : ما شعرت بأني حملت به ولا وجدت ثقلا ولا وحما بسببه إلا أني أنكرت رفع حيضتي وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال : هل شعرت بأنك حملت بسيد الأنام ؟ ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال : قولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا . وفي رواية للبيهقي : أعيذيه بالواحد من شرّ كل حاسد في كل بر عاهد وكل عبد رائد يرود غير رائد فإنه عبد حميد ماجد حتى أراه أثر المشاهد .
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان من دلالة حمل آمنة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة وقالت : حمل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورب الكعبة وهو إمام الدنيا وسراج أهلها . ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا وفرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارة ، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا ، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم صلى اللّه عليه وسلم ميمونا مباركا .
عن يحيى بن عائذ قال : بقي النبي صلى اللّه عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء ، وكانت تقول : واللّه ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة . ولما تم لها من حملها شهران - على الأرجح المشهور - توفي أبوه سيدنا عبد اللّه وكان قد رجع ضعيفا مع قريش لما رجعوا
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 106
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٠٦