أنّ عبد اللّه بن المبارك كان يحجّ سنة ويغزو سنة ، وداوم على ذلك خمسين سنة ، فخرج في بعض السنين لقصد الحجّ ، وأخذ معه خمسمائة دينار وذهب إلى موقف الجمّال بالكوفة ليشتري جمالا للحجّ .
فرأى امرأة علويّة على بعض المزابل تنتف ريش بطّة ميّتة .
قال : فتقدّمت إليها ، وقلت : لم تفعلين هذا ؟
فقالت : يا عبد اللّه ! لا تسأل عمّا لا يعنيك .
قال : فوقع في خاطري من كلامها شيء ، فألححت عليها .
فقالت : يا عبد اللّه ! قد ألجأتني إلى كشف سرّي إليك ، أنا امرأة علويّة ، ولي أربع بنات يتامى ، مات أبوهنّ من قريب ، وهذا اليوم الرّابع ما أكلنا شيئا ، وقد حلّت لنا الميتة ، فأخذت هذه البطّة أصلحها وأحملها إلى بناتي ، فيأكلنها .
قال : فقلت في نفسي : ويحك ! يا بن المبارك ! أين أنت عن هذه ؟
فقلت : افتحي حجرك .
ففتحته ، فصببت الدّنانير في طرف إزارها ، وهي مطرقة لا تلتفت إليّ .
قال : ومضيت إلى المنزل ، ونزع اللّه من قلبي شهوة الحجّ في ذلك العام .
ثمّ تجهزّت إلى بلادي وأقمت حتّى حجّ النّاس وعادوا ، فخرجت أتلقّى جيراني وأصحابي ، فجعلت كلّ من أقول له : قبّل اللّه حجّك وشكر سعيك .
يقول : وأنت شكّر اللّه سعيك وقبل حجّك ، أما قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا ، وأكثر عليّ النّاس في القول .
فبتّ متفكّرا في ذلك ، فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله في المنام ، وهو يقول لي :
يا عبد اللّه ! لا تعجب ، فإنّك أغثت ملهوفة من ولدي ، فسألت اللّه تعالى أن يخلق على صورتك ملكا يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة ، فإن شئت تحج ، وإن شئت لا تحجّ . « 1 »
هامش
( 1 ) البحار : 93 / 234 و 235 ح 34 .