المخزومي قد وافى في جيش قام غباره ، وكثر صهيل أهل خيله ، وإذا بقطب رحى ملويّ في عنقه قد فتل فتلا .
فأقبل حتّى نزل عن جواده ، ودخل المسجد ووقف بين يدي أبي بكر ، فرمقه الناس بأعينهم فهالهم منظره .
ثمّ قال : أعدل يا ابن أبي قحافة ! حيث جعلك الناس في هذا الموضع الّذي ليس له أنت بأهل ؟ ! وما ارتفعت إلى هذا المكان إلّا كما يرتفع الطافي من السمك على الماء ، وإنّما يطفو ويعلو حين لا حراك به ، ما لك وسياسة الجيوش ، وتقديم العساكر ؟ وأنت بحيث أنت ، من لين الحسب ، ومنقوص النسب ، وضعف القوى وقلّة التحصيل ، لا تحمي زمارا ، ولا تضرم نارا ، فلا جزى اللّه أخا ثقيف ، وولد صهّاك خيرا .
إنّي رجعت منكفنا من الطائف إلى جدّة في طلب المرتدّين ، فرأيت عليّ بن أبي طالب ومعه عتاة من الدين حماليق ، شزرات أعينهم من حسدك بدرت حنقا عليك ، وقرحت أماقهم لمكانك .
منهم ابن ياسر ، والمقداد ، وابن جنادة وأخو غفّار ، وابن العوام ، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه ، وغلام أسمر لعلّه من ولد عقيل أخيه .
فتبيّن لي المنكر في وجوههم ، والحسد في احمرار أعينهم ، وقد توشّح عليّ بدرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، ولبس ردأة السحاب ، ولقد أسرج له دابّته العقاب ، وقد نزل عليّ على عين ماء اسمها روية .
فلمّا رآني اشمأزّ وبربر « 1 » ، وأطرق موحشا يقبض على لحيته .
فبادرته بالسلام استكفاء واتّقاء ووحشة ، فاستغنمت سعة المناخ ، وسهولة المنزلة ، فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتّقاء عن مراوغته .
هامش
( 1 ) البربرة : الصوت وكلام في غضب ، ( قاله العلّامة المجلسي رحمه اللّه ) .