فلم يجب ، واعتراه والحاضرين كلهم وجوم طويل ، فعاد الشامي يلتهم فاطمة يعينيه ، ويقول : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية !
فصاح به يزيد : أعزب ، وهب اللّه لك حتفا قاضيا .
ثم كان المشهد الفظيع ، إذ كشف يزيد عن رؤوس الشهداء ، فجعل يعبث بقضيب في يده بثنايا سيد الشهداء ، وخامس أصحاب الكساء ، وهو ينشد :
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل
فبكت النسوة والبنيات من ودائع الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، وخفرات البتول ، غير عقيلتهن ، فإنّها اهتزت واستعلت على الطاغية تكفره وتخزيه بقولها :
« صدق اللّه تعالى يا يزيد ، إذ يقول عز من قائل :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
« 1 » .
« أظننت يا ابن الطلقاء ، حيث أخذت علينا أقطار الأرض ، وآفاق السماء ، فأصبحنا نساق إليك كما تساق الأسرى ، أن بنا على اللّه هوانا ، وبك عليه كرامة فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك ، جذلان مسرورا ، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والأمور متسقة ، وحيث صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلا مهلا ، أنسيت قول اللّه عز وجل :
( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ )
« 2 » .
« أمن العدل يا ابن الطلقاء ، تخديرك بناتك وإماءك ، وسوقك بنات رسول اللّه كالأسرى سبايا ، قد هتكت ستورهن ، يحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ثم تقول غير متألم ولا مستعظم : ( ليت أشياخي ببدر شهدوا ) ، منحنيا على ثنايا
هامش
( 1 ) سورة الروم : الآية 10 .
( 2 ) سوره آل عمران : الآية 178 .