ه
الهبوط :
يعتقد بعض الفلاسفة ومنهم أرسطو بأن النفوس البشرية كانت تسكن عالم الملكوت موطنها الأصلي قبل أن تنزل إلى عالم الأبدان ؛ حيث اكتسبت الكمال والفيض من الأبدان ، ومن ثم تعود مجددا إلى موطنها الأصلي .
وقد نسبت هذه العقيدة لأفلاطون أيضا ويمكن مشاهدة هذه الأفكار عند الأفلاطونيين الجدد .
الظاهر من كلمات صدر المتألهين أنه لم يرتض كون النفوس جسمانية الحدوث ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الرابع ، ص 355 - 365 ) .
وبشكل عام ، يقول صدر المتألهين : " إن حكاية هبوط النفس الآدمية من عالم القدس موطن أبيها المقدس إلى هذا العالم موطن الطبيعة الجسمانية التي كالمهد ، وموطن النفس الحيوانية التي هي بمنزلة أمها مما كثرت في الصحف المنزلة من السماء ، ومرموزات الأنبياء وإشارات الأولياء والحكماء الكبراء ، ففي القرآن العزيز ذكر هبوط النفس وصعودها في آيات كثيرة ؛ كقوله ( تعالى ) :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، وكقوله ( تعالى ) في حكاية آدم وهبوطه من عالم الجنان :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، وقوله ( تعالى ) :
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
، وفي الحديث النبوي : " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " ، إشارة إلى تقدم وجودها في معادن ذواتها من العقول المفارقة التي هي خزائن علم الله . وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام : " رحم الله امرأ عرف من أين وفي أين وإلى أين " ، فالأولى إشارة إلى حال النفس قبل الكون ، والوسط إلى ما مع الكون ، والآخر إلى ما بعد الكون .
وقال معلم الفلاسفة أرسطوطاليس في كتاب أثولوجيا في فائدة هبوط النفس إلى هذا العالم ما معناه : إنها لم يضرها هبوطها إلى هذا العالم شيئا بل انتفعت به ؛ وذلك أنها استفادت من هذا العالم معرفة الشيء ، وعلمت ما طبيعته بعد أن أفرغت عليها قواها ، وتراءت أعمالها وأفاعيلها الشريفة الساكنة التي كانت فيها ، وهي في العالم العقلي .
وفي أقوال الحكماء الأقدمين إشارات لطيفة ورموز شريفة إلى هبوط النفس من ذلك العالم وصعودها وحكايات مرشدة إلى ذلك . منها قصة سلامان وأبسال ، ومنها قصة الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة ، ومنها حكاية حي بن يقظان . وللشيخ الرئيس قصيدة في السؤال عن علة هبوط النفس أولها :