فإدراك الإنسان في كل مرتبة من صورة العالم هو اتحاده بها وتحققه بوجودها ، وهذه الموجودات بعضها حسي وبعضها مثالي وبعضها عقلي ، فكان الوجود أولا عقلا ، ثم نفسا ، ثم حسا ، ثم مادة ، فدار على نفسه فصار حسا ، ثم نفسا ، ثم عقلا ، فارتقى إلى ما هبط منه والله هو المبدأ والغاية .
فالإنسان إذا بلغ إلى هذا المقام الرباني يطلع على ما في القضاء الإلهي والقدر الرباني ، ويشاهد القلم واللوح كما حكاه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نفسه أنه أسرى به حتى سمع صرير الأقلام ، كما قال ( تعالى ) :
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
.
فالكتابة العقلية مصونة عن التبدل والتغير والنسخ والتحريف ، وأما الكتابة النفسية اللوحية فيتطرق فيها المحو والإثبات ، وينشأ منها نسخ الأحكام ، ولا يبعد أن يكون سماع صرير الأقلام منه صلى اللّه عليه وآله وسلم إشارة إلى ما في عالم القدر من الصور التي كتبتها أقلام رتبتها دون رتبة القلم الأعلى ، وألواحها دون اللوح المحفوظ ، فإن الذي كتبه القلم الأعلى لا يتبدل ، وهي حقائق العلوم العقلية التي لا تمحى أبدا من اللوح المحفوظ ، وهذه الأقلام تكتب في ألواح المحو والإثبات .
ومن هذه الألواح تتنزل الشرائع والصحف والكتب على الرسل ( عليهم السلام ) ، ولذا يدخل في الشرع الواحد النسخ في الأحكام ، وهو عبارة عن انتهاء مدة الحكم لا عن دفعه ورفعه ، فإن ما دخل في الوجود لا يرتفع أبدا ، فإن كل حادث له سبب ولسببه سبب ، حتى ينتهي إلى الأمور الحتمية القضائية والأسماء الإلهية ، ومن حقق الأمر في كيفية نشوء الكثرة والتغير من الحضرة السرمدية لم تشتبه عليه حقيقة الحال ، ولم تزل قدمه عن مقامه في نحو هذه المزال " ( الشواهد الربوبية ، ص 349 - 352 ) .
الوضع :
الوضع واحد من المقولات التسع العرضية ، وقالوا في تعريفه : " وهي الهيئة الحاصلة للشيء بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض " ، أو كون الجسم بحيث " يكون لأجزائه بعضها إلى بعض نسبة في الجهات المختلفة كالقيام والقعود " ، واعتبر صدر المتألهين أن الوضع ليس عبارة عن نفس النسبة ؛ لأن النسبة وإن كانت واقعة فهي من باب الإضافة لا الوضع بل هو كون الجسم بشكل أن يكون لأجزائه هذه النسبة وهذا الوضع ، والوضع هنا غير الوضع المذكور في النقطة .
قد يكون الوضع بالطبع ، وقد يكون بالفعل ، وقد يكون بالقوة ، وعلى هذا ، فالوضع يطلق على ثلاثة معان :
1 - كون الشيء مشارا إليه بالحس . وعلى هذا ، تكون النقطة وضعا بينما الوحدة ليست بوضع .
2 - كون الكم بحيث يمكن أن يشار إليه في الجهة .