تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وقال فيه أيضا : " إن هذا العالم الحسي كله إنما هو مثال وصنم لذلك العالم ، فإن كان هذا العالم حيا فبالحري أن يكون ذلك العالم أتم تماما وأكمل كمالا ؛ لأنه هو المفيض على هذا العالم الحياة والقوة والكمال والدوام ، فإن كان هذا العالم تماما في غاية التمام ، فلا محالة أن هناك الأشياء كلها التي هاهنا إلا أنها فيه بنوع أعلى وأشرف كما قلنا مرارا . فثمّ سماء ذات حياة وفيها كواكب مثل هذه الكواكب التي في هذه السماء ، غير إنها أنور وأكمل ، وليس بينهما افتراق كما ترى هاهنا ، وذلك أنها ليست جسمانية ، وهناك أرض ليست ذات سباخ لكنها كلها عامرة ، وفيها الحيوانات كلها الطبيعية الأرضية التي هاهنا ، وفيها نبات مغروس في الحياة وفيها بحار وأنهار جارية جريانا حيوانيا وفيها الحيوانات المائية كلها وهناك هواء وفيه حيوانات هوائية حية شبيهة بذلك الهواء والأشياء التي هناك كلها حية ، وكيف لا تكون حية وهي في عالم الحياة المحض لا يشوبها الموت البتة ، وطبائع الحيوان التي هناك ، مثل طبائع هذه الحيوانات ، إلا أن الطبيعة هناك أعلى وأشرف من هذه الطبيعة ؛ لأنها عقلية ليست حيوانية . فمن أنكر قولنا وقال : من أين يكون في العالم الأعلى حيوان وسماء وسائر الأشياء التي ذكرناها قلنا : إن العالم الأعلى هو الحي التام الذي فيه جميع الأشياء ؛ لأنه أبدع من المبدع الأول التام ففيه كل نفس وكل عقل وليس هناك فقر ولا حاجة البتة ؛ لأن الأشياء التي هناك كلها مملوءة غنى وحياة ؛ كأنها حياة تغلي وتفور ، وجري حياة تلك الأشياء إنما تنبع من عين واحدة لا كأنها حرارة واحدة أو ريح واحدة فقط ، بل كلها كيفية واحدة فيها كل كيفية يوجد فيها كل طعم . ونقول : إنك تجد في تلك الكيفية الواحدة طعم الحلاوة والشراب وسائر الأشياء ذوات الطعوم وقواها وسائر الأشياء الطيبة الروائح وجميع الروائح وجميع الألوان الواقعة تحت البصر وجميع الأشياء الواقعة تحت اللمس وجميع الأشياء الواقعة تحت السمع ؛ أي اللحون كلها وأصناف الإيقاع وجميع الأشياء الواقعة تحت الحس . وهذه كلها موجودة في كيفية واحدة مبسوطة على ما وصفناه ؛ لأن تلك الكيفية حيوانية عقلية تسع جميع الكيفيات التي وصفناها ولا تضيق عن شيء منها من غير أن يختلط بعضها ببعض ، وينفذ بعضها ببعض بل كلها فيها محفوظة كأن كلا منها قائم على حدة " . وقال في الميمر العاشر : " إن لكل صورة طبيعية في هذا العالم فهي ذلك العالم ، إلا إنها هناك بنوع أفضل وأعلى ، وذلك أنها هاهنا متعلقة بالهيولى ، وهي هناك بلا هيولى ، وكل صورة طبيعية هاهنا فهي صنم للصورة التي هناك الشبيهة بها ، فهناك سماء وأرض وحيوان وهواء وماء ونار ، فإن كان هناك هذه الصور فلا محالة أن هناك نباتا أيضا " ، إلى غير ذلك من كلماته وبياناته ونصوصه وإشاراته في إثبات الصور فإنها كثيرة يؤدي ذكرها إلى التطويل ، ولولا مخافة الأدب لبعد منهجها عما ألفته أذواق الطلاب لأوردتها جميعا