صحيفة الأعمال :
هذه المسألة واحدة من المسائل الكلامية ، والأصل فيها أن جميع أفعال العباد في هذه الدنيا تسجل في صحيفة وتعطى لهم يوم الحشر ليقرؤوها ويطلعوا على أعمالهم في الدنيا والآخرة . يقول صدر المتألهين :
" كل ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منها أثر إلى الروح وتجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته ، وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار فيكشف له بالموت ما يغيب عنه في حال الحياة مما كان مسطورا في كتاب لا يجليها إلا لوقتها . فبما أن الآثار الحاصلة من الأفعال والأقوال في النفوس بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
، وهذه الألواح النفسية يقال لها صحائف الأعمال ، وهذه النقوش والصور كما تفتقر إلى قابل يقبلها تفتقر إلى ناقش ومصور ، فالمصورون والكتاب هم الكرام الكاتبون وهم طائفتان : ملائكة اليمين وملائكة الشمال
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ
، وفي الخبر " كل من عمل حسنة يخلق الله منها ملكا يثاب به ، ومن اقترف سيئة يخلق الله منه شيطانا يعذب به " ،
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
، وفي مقابله
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
، وكذلك
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
، وإنما يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالثبات والدوام الحاصلين في الأخلاق والملكات ، لا بآحاد الأعمال ، فكل من فعل مثقال ذرة من خير أو شر يرى أثره مكتوبا في صحيفة ذاته أو صحيفة أعلى منها وهو نشر الصحائف وبسط الكتب .
فإذا انقطع الإنسان عن الدنيا وتجرد عن مشاعر البدن وكشف عنه الغطاء ، يكون الغيب له شهادة والسر علانية والخبر عيانا ، فيكون حديد البصر قارئا لكتاب نفسه بقوله سبحانه :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
، وقوله :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
.
فمن كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين وكانت معلوماته أمورا مقدسة فقد
أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ *
من جهة عليين ،
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
، ومن كان من الأشقياء المردودين وكانت معلوماته مقصورة على الجرميات ، فقد أوتي كتابه من جهة سجين ( إن الفجار لفي سجين ) ، لكونه من المجرمين المنكوسين لقوله :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
( الشواهد الربوبية ، ص 293 - 297 ) " .
الصراط :
الصراط ؛ أي الطريق ، والصراط بضم الصاد يعني السيف الطويل القاطع . وصراط