يوم الوقت المعلوم ، اتخذ لنفسه جنة غرس فيها أشجارا وأجرى فيها أنهارا ، ليشاكل بها الجنة التي أسكنها الله آدم ، وقاس عليها قياسا مغالطيا ، وهندس عليها هندسة فانية مضمحلة لا بقاء لها ، كما يتراءى في مرآة وقعت في محاذاة جنات وأنهار وأبنية صور خيالية فانية ، وجعل فيها مساكن أهله وذريته وأوليائه ، وهي كمثل سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وذلك أنه كان من الجن ، وقد قيل : إن فعل الجن أكثره التخييل والتمثيل ما لا حقيقة له ، كذلك فعل إبليس إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق وتنميق لا حقيقة لها ولا حق عندها ، ليصد بها الناس عن الطريق القويم والصراط المستقيم ، وبذلك وعد ذرية آدم ، كما قال ( تعالى ) :
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
، والجنة التي غرسها إبليس لذريته ليصيدوا بها ذرية آدم ويخرجوهم عن جنة أبيهم ، هي الأمور الدنيوية والشهوات الواهية الدنية ، وفعل الأخطاء والمآثم وارتكاب المعاصي والمحارم ، وحب القنية الفانية ، واللهو واللعب ، والخروج عن طاعة الله والإخلاد إلى أرض الدنيا ، ونسيان أمور الآخرة وأحوالها ، والإعراض عن آيات الله والصمم عن ذكرها ، وأهل الطاغوت وأولياء الشيطان هم المعرضون عن ذكر الله وملكوته ، والمعتكفون على الدنيا وشهواتها ، الواقعون في شبكة إبليس ، المقيدون في حبائله ، فهم في العذاب مشتركون ، ومن برازخ الظلمات لا يخرجون ، كما في قوله :
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ * وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ * وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
، وهذه الشبكة المعمولة بحيلة إبليس المنصوبة ليقع فيها المغترون يلامع سراب اللذات ، معمولة من محاسن أمور الدنيا الواهية ، وزخارفها الطبيعية ، ومثالاتها الهيولانية ، فمن مال بكليته إليها ، وهجم فيها ، واقتحم وغرق في شهواتها ، وانهمك في لذاتها ، فقد طالت بليته وعظمت رزيته ، وحيل بينه وبين النجاة ، غلق عليه باب الخلاص عن ربقة هذه الآفات " ( مفاتيح الغيب ، ص 192 - 193 ) .
الشيئية :
هي من جملة المصادر الجعلية . يقول صدر المتألهين : " اعلم إن الشيئية للممكن تكون على وجهين : شيئية الوجود ، وشيئية الماهية ، وهي المعبرة عندهم بالثبوت . الأولى عبارة عن ظهور الممكن في مرتبة من المراتب وعالم من العوالم . والثانية عبارة عن نفس معلومية الماهية وظهورها عند العقل بنور الوجود وانتزاعها منه ، وقد علمت أن موجودية الماهية ليست بأن يصير الوجود صفة لها ، بل بأن تصير معقولة من الوجود ومتحدة به " ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الأول ، ص 347 ) .