قائدهم ذلك الذي طال انتظارهم إياه ، واشتد تشوقهم إليه كائن عند ميلين من مدينتهم قد نزل في قبا أياما ، وسيقدم إليهم ويدخل مدينتهم بعد أيام ؟ وكم سيكون مبلغ ابتهاجهم ، وأي ابتهاج ترى سيعم كل صغير وكبير ؟
إنه حقا لأمر يعجز القلم عن بيانه ، ويكل اللسان عن وصفه .
( 1 ) ولقد كان لفتية الأنصار وشبابهم الضامئين إلى الاسلام الحنيف برنامج رائع وعظيم ، فقد كانوا عمدوا بغية تطهير جوّ المدينة من أدران الوثنية إلى كل صنم في المدينة كان يقدّس ويعبد فاحرقوه وكسّروه ، وقد كان كل شريف في بيته صنم يمسحه ويطيّبه ، ولكل بطن من الأوس والخزرج صنم في بيت لجماعة يكرّمونه ويطيّبونه ، ويجعلون عليه منديلا ويذبحون له « 1 » .
ولا بأس في أن نذكر نموذجا من هذا العمل الجليل الذي قام به الأنصار في التخلّص من الوثنية :
لما قدم من بايع من الأنصار في العقبة الثانية إلى المدينة اظهروا الاسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دين الشرك وعبادة الأوثان منهم « عمرو بن الجموح » وكان من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان ابنه « معاذ » بن عمرو قد شهد بيعة العقبة .
( 2 ) وكان عمرو هذا قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له : مناة ، كما كانت الاشراف يصنعون ، تتخذه إلها تعظّمه وتطهّره ، فلما أسلم فتيان بني سلمة : معاذ بن جبل ، وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح كانوا يتسلّلون في الليل إلى صنم عمرو بن الجموح فيحملونه ويطرحونه في بعض حفر بني سلمة ومزابلها ، وفيها فضلات الناس وعذرها منكّسا على رأسه ! !
فإذا أصبح عمرو قال : ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟
ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهّره وطيّبه . ثم قال للصنم : أما واللّه لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينّه !
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 19 ص 107 .