( 1 ) ان في التاريخ الاسلامي نماذج كثيرة من هذا القبيل تدل على بطلان وتفاهة ما قاله أو روّجه المستشرقون حول أسباب تقدّم الاسلام وانتشاره ، فان العامل المعتمد في جميع هذه الموارد لم يكن المال والتطميع ، ولا السلاح والتهديد ، كما ادعى المستشرقون ، وان الذين اسلموا في هذه الحوادث والوقائع لا هم رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا أنهم التقوا أو اتصلوا به بنحو من الانحاء ، انما كان السبب الوحيد هو : منطق الداعية الاسلامي القويّ وبيانه الساحر الجذاب ، فهو الذي كان يفعل في النفوس فعله العجيب ، خلال دقائق معدودة ، لا في نفس شخص واحد فحسب ، بل ربما في نفوس قبيلة بكاملها .
اجل انه المنطق القوي والكلام المبرهن والحجة البالغة لا سواها .
( 2 )
مخاوف قريش المتزايدة :
لقد أيقظت حماية اليثربيين للمسلمين قريشا من غفلتها ونومها العميق مرة أخرى ، وكانت بيعة العقبة الثانية بمثابة ناقوس خطر لها فبدأت أذاها واضطهادها ومضايقتها لهم من جديد ، وتهيأت للعمل على الحيلولة دون انتشار الاسلام ونفوذه وتقدمه في الجزيرة العربية ، وبلغ ذلك الأذى مبلغا عظيما .
فشكى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إليه ما يلقونه على أيدي المشركين من ضغوط وأذى ، واستأذنوه في الهجرة إلى مكان فاستمهلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أياما ثم قال :
« لقد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب فمن أراد الخروج فليخرج إليها » « 1 » .
وبعد الاذن بالهجرة من قبل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أخذ المسلمون يخرجون من مكة ، ويتوجهون إلى المدينة شيئا فشيئا وبحجج مختلفة لكي لا تمنعهم قريش من الهجرة .
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى : ج 1 ص 226 .