فكيف يمكن القول - والحال هذه - أن أباعد عن البيت النبويّ مثل « زيد بن حارثة » وغيره اطّلعوا على أسرار الوحي ، بينما جهل ابن عم النبي صلّى اللّه عليه وآله وأقرب الناس إليه ، والذي كان معه في أكثر الأوقات بما أتى به صلّى اللّه عليه وآله وما نزل عليه .
( 1 ) إنّ غرض النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من تربية الإمام عليّ وتكفّله إياه كان إلى حدّ كبير هو أداء ما أسدى إليه أبو طالب من خدمات ، ولم يكن ثمة شيء أحبّ إلى رسول اللّه من أن يهدي أحدا إلى الصراط المستقيم ، فكيف يمكن أن يقال - والحال هذه - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حرم ابن عمّه الذي كان يتمتع بذكاء باهر وضمير يقظ ، من هذه النعمة الكبرى .
إن من الأفضل أن نسمع هذا الأمر من لسان « علي » نفسه ، فقد بيّن عليه السّلام في الخطبة القاصعة منزلته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقربه إليه هكذا :
« ولقد علمتم موضعي من رسول اللّه بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه ( عرقه ) . . . ولقد كنت أتّبعه اتباع الفصيل إثر امّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاورني في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللّه ، وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرّسالة وأشمّ ريح النبوة » « 1 » .
( 2 ) وجاء في تاريخ الطبري عن ابن إسحاق قال : كان أول ذكر آمن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وصلّى معه وصدّق بما جاءه من عند اللّه « علي بن أبي طالب » عليه السّلام وهو يومئذ ابن عشر سنين ، وكان ممّا أنعم اللّه به على عليّ بن أبي طالب عليه السّلام انه كان في حجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ج 2 ص 182 ، وفي هذه الخطبة نفسها يقول : اللّهمّ إني أوّل من أناب وسمع وأجاب لم يسبقني إلّا رسول اللّه بالصلاة .