( 1 )
سبب ثالث :
ولقد كان هذا العمل ( أي الاشتغال برعي الأغنام في البراري والقفار وعند السهول وسفوح الجبال ) فرصة جيدة لأن يتمكن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من النظر في خلق السماوات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها وأوضاعها ، وبالتالي الامعان في الآيات الأنفسية والآفاقية التي هي جميعا من آيات وجود اللّه تعالى ، ومن مظاهر قدرته وحكمته وعلمه وإرادته .
ان قلوب الأنبياء والمرسلين مع أنها منوّرة بمصابيح المعرفة المشرقة ومضاءة بأنوار الايمان والتوحيد منذ بدء فطرتها ، وخلقتها ، ولكنهم مع ذلك لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق ، والتفكر في الآيات الإلهية ، إذ من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الايمان ، ويبلغون اسمى درجات اليقين ، وبالتالي يتمكنون من الوقوف على ملكوت السماوات والأرضين .
( 2 )
اقتراح أبي طالب :
لقد دفع وضع ( محمّد ) المعيشي الصعب « أبا طالب » سيد قريش وزعيمها الذي كان معروفا بالسخاء وموصوفا بالشهامة ، وعلو الطبع ، وإباء النفس إلى أن يفكر في عمل لابن أخيه ، كيما يخفف عنه وطأة ذلك الوضع .
ومن هنا اقترح على ابن أخيه « محمّد » العمل والتجارة بأموال « خديجة بنت خويلد » التي كانت امرأة تاجرة ، ذات شرف عظيم ، ومال كثير ، تستأجر الرجال في مالها أو تضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه .
فقد قال أبو طالب للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله : يا ابن أخي هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بما لها أكثر الناس وهي تبحث عن رجل أمين ، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها لأسرعت إليك ، وفضّلتك على غيرك ، لما يبلغها عنك من طهارتك .
( 3 ) ولكن إباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلوّ طبعه ، منعاه من الإقدام