فإنّ هذا التحول والتطور وتلك الكشوف أوجدت شكا عجيبا لدى بعض الناس انسحب على جميع المعارف والمعتقدات الدينية الموروثة على وجه الاطلاق !
( 1 ) والسرّ في ذلك هو أن العلماء رأوا بأن الفرضيات القديمة ، التي بقيت تسيطر على الأوساط العلمية لمدة طويلة من الزمان ، قد أصبحت اليوم عرضة للبطلان والسقوط تحت مطارق التجربة وبواسطة الاختبارات العلميّة ، والتحقيقات المختبرية ، فلم يعد - بعد هذا - مجال للقول بفرضية الأفلاك التسعة التي طلع بها « بطلميوس » ، ولا بفرضية مركزية الأرض ، ولا غيرها من عشرات الفرضيات ، فقالوا في أنفسهم : ومن أين ترى لا تكون بقية المعلومات والمعارف الدينية من هذا القبيل ؟ !
وقد تفاقم هذا النوع من الشك في قلوب جماعة من العلماء بالنسبة إلى جميع المعتقدات والمعارف الدينية ونمى بشكل قويّ في فترة قصيرة ، وعمّ الأوساط العلمية كأيّ مرض ! !
( 2 ) هذا مضافا إلى أنّ محاكم التفتيش وتشدّد الكنيسة وأربابها كان لها النصيب الأكبر في ظهور هذه الحالة بل في نموّها ، واطرادها ، لأن الكنيسة كانت تقضي على العلماء الذين نجحوا في اكتشاف القوانين العلمية تحت التعذيب والاضطهاد القاسي بحجة أنها تخالف الكتاب المقدس ، وتعارض مقرّرات الكنيسة ! !
وممّا لا يخفى أنّ مثل هذه الضغوط ، وهذا الاضطهاد والتعجرف ما كان ليمرّ من دون حدوث ردة فعل ، وقد كان من المتوقع منذ البداية أن العلماء في الغرب لو أتيحت لهم الفرصة لانتقموا من الدين ، بسبب سوء تصرف الكنيسة ، وسوء معاملتهم لهم خاصة ، وللناس عامة .
( 3 ) وقد حدث هذا فعلا فكلّما تقدم العلم خطوة ، واطّلع العلماء على العلاقات السائدة بين الكائنات الطبيعية ، واكتشفوا المزيد من الحقائق الكونية ، والعلل الطبيعية لكثير من الحوادث والظواهر المادية ، وكذا علل الأمراض ، قلّ اعتناؤهم بالقضايا الميتافيزيقية ، وما يدور حول المبدأ والمعاد والافعال الخارقة للعادة
سيد المرسلين — صفحة 166
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٦