يفكرون في كيفية الدفن إذا هلكوا وماتوا ، فاقترح « عبد المطلب » ان يبادر كل واحد إلى حفر حفرته حتى إذا أدركه الموت دفنه الآخرون فيها ، فإذا استمر بهم العطش وهلكوا يكون الجميع ( ما عدا من بقي منهم على قيد الحياة ) قد اقبروا ، ولم تغد أبدانهم طعمة للوحوش والطيور فأيّد الجميع هذا الاقتراح « 1 » ، واحتفر كل واحد منهم حفيرة لنفسه ، وجلسوا ينتظرون الموت بوجوه واجمة ، وعيون ذابلة ، وفجأة صاح عبد المطلب : « واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز » وحثهم على البحث عن الماء في تلك الصحراء بصورة جماعية عسى ان يجدوا ما ينقذهم من الموت ، فركب عبد المطلب وركب مرافقوه ، واخذوا يبحثون عن الماء يائسين غير مصدّقين ، ولم يمض شيء حتى ظهرت لهم عين ماء عذبة انقذتهم من الموت المحتم ، وعادوا من حيث جاءوا وهم يقولون لعبد المطلب : « قد واللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب ، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا ، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم ، فارجع إلى سقايتك راشدا وتنازلوا له لينفرد بحفر زمزم ويكون إليه أمره دون منازع ، ولا شريك » « 2 » .
( 1 ) فعمد « عبد المطلب » وولده الوحيد الحارث إلى حفر البئر ، ونشأ من ذلك تل هائل من التراب حول البئر ، وفجأة عثر « عبد المطلب » على الغزالين المصاغين من الذهب ، والسيوف المرصعة المهداة إلى الكعبة ، فشبّ نزاع آخر بين « قريش » وبين « عبد المطلب » على هذه الأشياء ، واعتبرت « قريش » نفسها شريكة في هذا الكنز ، وتقرر ان يلجئوا إلى القرعة لحل هذا المشكلة ، فخرجت القرعة باسم « عبد المطلب » ، وصار جميع ذلك الكنز إليه دون « قريش » ، ولكن عبد المطلب خصّ بتلك الأشياء الكعبة فصنع من السيوف بابا للكعبة ، وعلق الغزالين الذهبيّين فيها .
هامش
( 1 ) ولعلّ احجام الآخرين من الإدلاء بالاقتراح وهو اليأس المطلق من تحصيل الماء .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي : ج 1 ص 206 ، والسيرة النبوية : ج 1 ص 142 - 147 .