( 1 ) فاقترحت قريش على عبد المطلب بان يفدي « عبد اللّه » ، واظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز ذلك ، فتحيّر « عبد المطلب » تجاه تلك المشاعر الساخنة ، والاعتراضات القوية ، وراح يفكّر في عدم الوفاء بنذره ، ويفكر في نفس الوقت في الحصول على مخلص معقول من هذه المشكلة ، فقال له أحدهم : لا تفعل وانطلق إلى أحد كهنة العرب عسى أن يجد لك حلا .
فوافق « عبد المطلب » وأكابر قريش على هذا الاقتراح ، وتوجهوا بأجمعهم نحو « يثرب » قاصدين ذلك الكاهن ، ولما قدموا عليه سألوه في ذلك فاستمهلهم يوما واحدا ، ولما كان اليوم الثاني دخلوا عليه فقال لهم : كم دية المرء عندكم ؟
قالوا : عشر من الإبل .
فقال : ارجعوا إلى بلادكم ، وقرّبوا عشرا من الإبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم « أي عبد اللّه » القداح فان خرجت القرعة على صاحبكم فزيدوا عشرا ، حتى يرضى ربكم ، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداء .
( 2 ) فهدّأ اقتراح الكاهن لهيب المشاعر الملتهبة لدى الناس ، لأن نحر مئات الإبل كان أسهل عليهم من أن يشاهدوا شابا مثل « عبد اللّه » يتشحط في دمه .
ولهذا فإنهم فور عودتهم إلى « مكة » بادروا إلى اجراء القرعة في مجمع كبير من الناس وزادوا عشرا عشرا حتى إذا بلغ عدد الإبل مائة خرجت القداح على الإبل ، ونجا « عبد اللّه » من الذبح ، فأحدث ذلك فرحة كبيرة لدى الناس ، بيد أن « عبد المطلب » طلب أن تعاد عملية القرعة قائلا : « لا واللّه حتى أضرب ثلاثا » ، وأنما أراد ذلك ليستيقن ان ربه قد رضي عنه ، ولكن في كل مرة كانت القداح تخرج على الإبل المائة فنحرت الإبل ثم تركت لا يمنع عنها انسان ولا سبع « 1 » .
هامش
( 1 ) السيرة النبوية : ج 1 ص 153 ، وبحار الأنوار : ج 16 ص 74 ، وقد نقل عن النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « أنا ابن الذبيحين » يقصد بالأول جدّه إسماعيل عليه السّلام والثاني أباه « عبد اللّه » الذي كاد أن ينحر ولكنه نجا من الذبح كما نجا جدّه إسماعيل عليه السّلام .