تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيد المرسلين — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
ولقد كانت سوابق « إبراهيم » ، وتحامله على الأصنام ، واستهزاؤه بها قد أوحدت قلقا وشكا لدى أهل بابل ، ولهذا طلبوا منه - وهم الذين يساورهم القلق من موقفه تجاه أصنامهم - الخروج معهم إلى الصحراء ، والمشاركة في تلك المراسيم ، ولكن اقتراحهم هذا بل إصرارهم واجه رفض إبراهيم الذي رد على طلبهم بحجة المرض إذ قال : « إنّي سقيم » وهكذا لم يشترك في عيدهم ، وخروجهم وبقي في المدينة . ( 1 ) حقا لقد كان ذلك اليوم يوم ابتهاج وفرح للموحد والمشرك ، وأمّا للمشركين فقد كان عيدا قديما عريقا يخرجون للاحتفال به ، وإقامة مراسيمه وتجديد ما كان عليه الآباء والاسلاف إلى الصحراء حيث السفوح الخضراء والمزارع الجميلة . وكان عيدا لإبراهيم بطل التوحيد كذلك ، عيدا لم يسبق له مثيل ، عيدا طال انتظاره ، وافرح حضوره وحلوله ، فها هو إبراهيم يجد المدينة فارغة من الاغيار ، والفرصة مناسبة للانقضاض على مظاهر الشرك والوثنية ، وحدث هذا فعلا . فعند ما خرج آخر فريق من أهل بابل من المدينة ، اغتنم « إبراهيم » تلك الفرصة ودخل وهو ممتلئ ايمانا ويقينا باللّه في معبدهم حيث الأصنام والأوثان المنحوتة الخاوية ، وأمامها الأطعمة الكثيرة التي احضرها الوثنيون هناك بقصد التبرك بها ، وقد لفتت هذه الأطعمة نظر « الخليل » عليه السّلام ، فأخذ بيده منها كسرة خبز ، وقدمها مستهزء إلى تلك الأصنام قائلا : لما ذا لا تأكلون من هذه الأطعمة ؟ ( 2 ) ومن المعلوم أن معبودات المشركين الجوفاء هذه لم تكن قادرة على فعل اي شيء أو حركة مطلقا فكيف بالاكل . لقد كان يخيم على جوّ ذلك المعبد الكبير سحابة من الصمت القاتل ولكنه سرعان ما اخترقته أصوات المعول الذي اخذ « إبراهيم » يهوي به على رؤوس تلك التماثيل الجامدة الواقفة بلا حراك ، وأيديها . لقد حطم « الخليل » عليه السّلام جميع الأصنام وتركها ركاما من الأعواد المهشمة ، والمعدن المتحطم ، وإذا بتلك الأصنام المنصوبة في أطراف ذلك الهيكل