ولقد كانت آراء « إبراهيم » ومواقفه السلبية السابقة ضد الأصنام وتحامله الصريح عليها تبعثهم على اليقين بأن « إبراهيم » وليس سواه هو الذي صنع ما صنع بآلهتهم وأصنامهم .
ولأجل ذلك تشكلت فورا محكمة يرأسها « نمرود » نفسه وأخذوا يحاكمون « إبراهيم » وأمه ! !
( 1 ) ولم يكن لامه من ذنب إلا أنها أخفت ابنها ، ولم تعلم السلطات بوجوده ليقضوا عليه ، شأنه شأن غيره من المواليد الذين قضت تلك السلطة الظالمة عليهم حفاظا على نفسها وكيانها .
ولقد أجابت أم إبراهيم على هذا السؤال بقولها : أيها الملك فعلت هذا نظرا مني لرعيّتك ، فقد رأيتك تقتل أولاد رعيّتك فكان يذهب النسل فقلت : إن كان هذا الذي يطلبه دفعته إليه ليقتله وبكف عن قتل أولاد الناس ، وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا .
( 2 ) ثم جاء دور مساءلة إبراهيم عليه السّلام فسأله قائلا : « من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم » فقال إبراهيم : « فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون » .
وقد كان « إبراهيم » عليه السّلام يهدف من هذه الإجابة اللامبالية المصحوبة بالسحرية والازدراء هدفا آخر ، وهو ان « إبراهيم » عليه السّلام كان على يقين بأنهم سيقولون في معرض الإجابة على كلامه هذا : إنك تعلم يا إبراهيم ان هذه الأصنام لا تقدر على النطق ، وفي هذه الصورة يستطيع « إبراهيم » أن يلفت نظر السلطات التي تحاكمه إلى نقطة أساسية .
وقد حدث فعلا ما كان يتوقعه « إبراهيم » عليه السّلام لما قالوا له وقد نكسوا على رؤوسهم : « لقد علمت ما هؤلاء ينطقون » فقال إبراهيم ردا على كلامهم هذا الذي كان يعكس حقارة تلك الأصنام والأوثان وتفاهة شأنها : « أفتعبدون من دون اللّه ما لا ينفعكم ولا يضرّكم افّ لكم ولما تعبدون من دون اللّه أفلا تعقلون » .
( 3 ) إلّا أنّ تلك الزمرة المعاندة التي ران على قلوبها الجهل والتقليد الأعمى لم
سيد المرسلين — صفحة 136
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٦