أنّ لغصب فدك بعدا سياسيا هو أهمّ من بعدها الاقتصادي ، فكلّما اقتضت مصلحة الحكم آنذاك أن يزووا أهل البيت عن المجتمع الإسلامي ، انتزعوا منهم فدكا ، لئلّا يلتفّ المسلمون حولهم ، فيعود ذكرهم ويعلو مجدهم .
وإذا اقتضت مصلحة الحكم التودّد لهم ، ردّوها عليهم ، لكسب الأغراض السياسية كما صنعه المأمون .
والحاصل : إنّ هذه التناقضات في سيرة الحكّام لهو من عجائب التاريخ التي ظهرت آثارها في مسيرة فدك .
قال الشيخ الأميني : كلّ هذه تضادّ ما جاء به الخليفة من خبره الشاذّ عن الكتاب والسنّة ، ولم يبق من فدك اليوم إلّا الرمز لظلامة الصدّيقة الطاهرة عليها السّلام .
فدك وأئمّة الهدى
ممّا تجدر الإشارة إليه : أنّ فدكا بعد ما غصبت وانتزعت من يد الصدّيقة الطاهرة عليها السّلام ، لم يتصدّ أحد من الأئمّة الطاهرين للمطالبة بها أو لتقبّلها من الخلفاء والحكّام ، ابتداء بأمير المؤمنين عليه السّلام ، فكانوا يقفون منها موقف البعداء الغرباء .
فعندما يطلب هارون الرشيد من الإمام موسى الكاظم أن يحدّ له فدكا ، امتنع الإمام أوّلا ، وبعد إصرار الرشيد حدّد له الإمام البلاد الإسلامية بدلا من فدك ، وامتنع من حدّ فدك .
ومن ردّها من الخلفاء ، لم يسلّمها للأئمّة عليهم السّلام بل لباقي العلويين من أبناء الحسن والحسين عليهما السّلام .
فكان هذا الأمر - عدم تدخّل أي من الأئمّة بعد الغصب الأوّل - في أمر فدك مدعاة للحيرة والتساؤل عن سبب موقفهم هذا ؟ ! !
فها هو المأمون العبّاسي الذي أعاد فدكا بجميع حقوقها وغلّتها وما كان فيها من الرقيق وغير ذلك ، لم يسلّمها للإمام الرضا عليه السّلام في حياته وإنّما سلّمها بعد وفاة