كائن ولامكان ، ثمّ خلق المكان فهو على ما كان قبل المكان لم يتغيّر من حال إلى حال » .
قال : أحسنت أيّها العالم الحبر وأوجزت ؛ فخبّرني عنه سبحانه : أيدرك بالحواسّ إن أراد إدراكه بالنظر في طريق معارفه ؟
فقال : « تعالى اللّه أن يوصف بمقدار أو تدركه الحواسّ أو يقاس بالناس ، بل الطريق إلى معرفته صنائعه الباهرة الدالّة لذوي العقول والاعتبار بما هو منها مشهور ، وفي مواضي الأيّام والليالي مذكور » .
فقال : صدقت ، هذا واللّه هو الحقّ الذي لا شكّ فيه ولا ارتياب ؛ فخبّرني الآن عمّا قاله نبيّكم في المسيح : إنّه مخلوق ؛ ومن أين ثبت ذلك ؟
فقال : « ثبت أنّه مخلوق بالتقدير الذي له والتصيير والتغيير من حال إلى حال والزيادة والنقصان ، وأنّه كان صبيّا ثمّ يافعا ثمّ شابّا ثمّ كهلا ، وأنّه يأكل الطعام ويشرب الشراب ، معلوم الحدث بعد العدم والأمّ ، وأنّه مولود منها ، وكان يعبد اللّه ويصوم ويصلّي له ، والعابد غير المعبود ، ولم أنف عنه النبوّة ، بل كان عبد اللّه ورسولا إلى خلقه يدعو الناس إلى عبادة اللّه وطاعته ، ولم أخرجه عن العصمة والكمال والتأييد ، وأنّه جاء بأمر اللّه تعالى ، لأنّ فيه قولا :
( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )
« 1 » .
فقال الجاثليق : هذا ما لا طعن فيه فيما بيّنت أيّها العالم ، الرغبة إلى تصديق قولك ، فأبن لنا زيادة الحجّة نزدد بيانا ويقينا .
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « خرجت يا نصرانيّ من مستقرّك إلى من قصدت
هامش
( 1 ) آل عمران ( 3 ) : 59 .