أذاه . فكان ميل هارون إلى هشام أحد ما غيّر قلب يحيى على هشام فشيّعه « 1 » عنده ، وقال له : يا أمير المؤمنين إنّي قد استبطنت أمر هشام ، فإذا هو يزعم أنّ للّه في أرضه إماما غيرك مفروض الطّاعة . قال : سبحان اللّه ! قال : نعم ، ويزعم أنّه لو أمره بالخروج لخرج ، وإنّما كنّا نرى أنّه ممّن يرى الإلباد « 2 » بالأرض .
فقال هارون ليحيى : فاجمع عندك المتكلّمين ، وأكون أنا من وراء الستر بيني وبينهم ، لئلّا يفطنوا بي ، ولا يمتنع كلّ واحد منهم أن يأتي بأصله لهيبتي .
قال : فوجّه يحيى ، فأشحن المجلس من المتكلّمين ، وكان فيهم : ضرار بن عمرو ، وسليمان بن جرير ، وعبد اللّه بن يزيد الأباضي وموبذان موبذ « 3 » ، ورأس الجالوت .
قال : فتساءلوا فتكافئوا ، وتناظروا ، وتقاطعوا ، وتناهوا إلى شاذّ من مشاذّ الكلام ، كلّ يقول لصاحبه : لم تجب . ويقول : قد أجبت ، وكان ذلك من يحيى حيلة على هشام ، إذ لم يعلم بذلك « 4 » المجلس ، واغتنم ذلك لعلّة كان أصابها هشام بن الحكم .
فلمّا تناهوا إلى هذا الموضع ، قال لهم يحيى بن خالد : أترضون فيما بينكم هشاما حكما ؟ قالوا : قد رضينا أيّها الوزير ، فأنّى لنا به وهو عليل ؟
فقال يحيى : فأنا اوجّه إليه ، فأسأله أن يتجشّم المشي . فوجّه إليه ، فأخبره بحضورهم وأنّه إنّما منعه أن يحضروه أوّل المجلس إبقاء عليه من العلّة ، وأنّ القوم قد اختلفوا في المسائل والأجوبة ، وتراضوا بك حكما بينهم . فإن رأيت أن تتفضّل وتحمّل على نفسك فافعل .
فلمّا صار الرسول إلى هشام ، قال لي : يا يونس قلبي ينكر هذا القول ، ولست آمن أن يكون هاهنا أمر لا أقف عليه ، لأنّ هذا الملعون - يحيى بن خالد - قد تغيّر عليّ
هامش
( 1 ) - « فسبّه » م ، « فشنّعه » خ م . وما في المتن كما في ع وب و « خ ل » م .
« إيضاح : قوله : فشيّعه عنده : أي : نسب يحيى هشاما إلى التشيّع عند هارون » منه رحمه اللّه .
( 2 ) - « الباد بالأرض : الإلصاق بها ، كناية عن ترك الخروج وعدم الرضا به » منه أيضا .
( 3 ) - الموبذان للمجوس : كقاضي القضاة للمسلمين ، والموبذ : القاضي . لسان العرب : 3 / 511 .
( 4 ) - « قوله : إذ لم يعلم بذلك . أي : لم يعلمه أوّلا ، واغتنم تلك المناظرة وحيرتهم ، لتكون وسيلة إلى إحضار هشام بحيث لا يشعر بالحيلة » . منه أيضا .