وإنّما أنكر دين اللّه عزّ وجلّ من أنكره بأن قال :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
« 1 »
ثمّ قال :
أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا
« 2 » فكفروا بذلك الرجل وكذّبوا به ، وتولّوا عنه وهم معرضون ، وقالوا :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
« 3 » ، فقال لهم اللّه تبارك وتعالى :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ
« 4 » ؛
ثمّ قال في آية أخرى :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ . وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
« 5 »
واللّه تبارك وتعالى إنّما أحبّ أن يعرف بالرجال ، وأن يطاع بطاعتهم ؛
فجعلهم سبيله ووجهه الّذي يؤتى منه ، لا يقبل اللّه من العباد غير ذلك ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، فقال فيما أوجب من محبّته لذلك :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
« 6 » ؛
فمن قال لك : إنّ هذه الفريضة كلّها إنّما هي رجل وهو يعرف حدّ ما يتكلّم به ، فقد صدق ؛
ومن قال على الصفة التي ذكرت بغير طاعة ؛
لا يغني التمسّك في الأصل بترك الفروع شيئا ، [ كما ] لا تغني شهادة أن لا إله إلّا اللّه بترك شهادة أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛
ولم يبعث اللّه نبيّا قطّ إلّا بالبرّ والعدل والمكارم ومحاسن [ الأخلاق ومحاسن ] الأعمال ، والنهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ؛
فالباطن منه ولاية أهل الباطل ، والظاهر منها فروعهم .
ولم يبعث اللّه نبيّا قطّ يدعو إلى معرفة ليس معها طاعة في أمر ونهي ؛
وإنّما يتقبّل اللّه من العباد العمل بالفرائض الّتي افترضها اللّه على حدودها مع معرفة من جاءهم [ بها ] من عنده ، ودعاهم إليه .
فأوّل ذلك معرفة من دعا إليه ، ثمّ طاعته فيما افترض فيما يقرّ به ممّن لا طاعة له ؛
هامش
( 1 ) الإسراء : 94 .
( 2 ) التغابن : 6 .
( 3 ) الأنعام : 8 ، 91 ، 8 و 9 .
( 4 ) الأنعام : 8 ، 91 ، 8 و 9 .
( 5 ) الأنعام : 8 ، 91 ، 8 و 9 .
( 6 ) النساء : 80 .