فقال عليه السّلام : أنا أعرف بمصرعي منك ، وما وكدي من الدنيا إلّا فراقها ؛
ألا أخبرك يا بن عبّاس بحديث أمير المؤمنين عليه السّلام والدنيا ؟
فقال له : بلى ، لعمري إنّي لاحبّ أن تحدّثني بأمرها ؛
فقال أبي : قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام : سمعت أبا عبد اللّه الحسين عليه السّلام يقول :
حدّثني أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه قال :
إنّي كنت بفدك في بعض حيطانها ، وقد صارت لفاطمة عليها السّلام قال : فإذا أنا بامرأة قد قحمت عليّ ، وفي يدي مسحاة ، وأنا أعمل بها ، فلمّا نظرت إليها طار قلبي ممّا تداخلني من جمالها ، فشبّهتها ببثينة بنت عامر الجمحي ، وكانت من أجمل نساء قريش
فقالت : يا بن أبي طالب ، هل لك أن تتزوّج بي ، فأغنيك عن هذه المسحاة ، وأدلّك على خزائن الأرض ، فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك ؟
فقال لها عليه السّلام : من أنت حتّى أخطبك من أهلك ؟ فقالت : أنا الدنيا . قال :
قلت لها : فارجعي واطلبي زوجا غيري ، وأقبلت على مسحاتي ؛
وأنشأت أقول :
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة * وما هي إن عزّت قرونا بنائل « 1 »
أتتنا على زيّ العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشمائل
فقلت لها غرّي سواي فإنّني * عزوف عن الدنيا ولست بجاهل
وما أنا والدنيا فإنّ محمّدا * أحلّ صريعا بين تلك الجنادل
وهبها أتتني بالكنوز ودرّها * وأموال قارون وملك القبائل
أليس جميعا للفناء مصيرها * ويطلب من خزّانها بالطوائل
فغرّي سواي إنّني غير راغب * بما فيك من ملك وعزّ ونائل
فقد قنّعت نفسي بما قد رزقته * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل
فإنّي أخاف اللّه يوم لقائه * وأخشى عذابا دائما غير زائل
هامش
( 1 ) « بطائل » خ ل .