لا شيء إلّا ما أدركته عقولنا ، وعرفته ألبابنا ! فولّاهم اللّه ما تولّوا ، وأهملهم وخذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون .
ولو كان اللّه رضي منهم اجتهادهم وارتياءهم ، فيما ادّعوا من ذلك ، لم يبعث اللّه إليهم فاصلا لما بينهم ، ولا زاجرا عن وصفهم ؛
وإنّما استدللنا أنّ رضى اللّه غير ذلك ببعثه الرسل بالأمور القيّمة الصحيحة ، والتحذير عن الأمور المشكلة المفسدة ؛
ثمّ جعلهم أبوابه وصراطه والأدلّاء عليه بأمور محجوبة عن الرأي والقياس ؛
فمن طلب ما عند اللّه بقياس ورأي لم يزدد من اللّه إلّا بعدا ، ولم يبعث رسولا قطّ - وإن طال عمره - قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتّى يكون متبوعا مرّة وتابعا أخرى ، ولم ير أيضا فيما جاء به استعمل رأيا ولا مقياسا ، حتّى يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من اللّه ؛
وفي ذلك دليل لكلّ ذي لبّ وحجى أنّ أصحاب الرأي والقياس مخطئون مدحضون ، وإنّما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل .
فإيّاك أيّها المستمع ، أن تجمع عليك خصلتين :
إحداهما : القذف بما جاش بصدرك ، واتّباعك لنفسك إلى غير قصد ولا معرفة حدّ ، والأخرى : استغناؤك عمّا فيه حاجتك ، وتكذيبك لمن إليه مردّك .
وإيّاك وترك الحقّ سأمة وملالة ، وانتجاعك الباطل جهلا وضلالة ؛
لأنّا لم نجد تابعا لهواه ، جائزا عمّا ذكرنا قطّ رشيدا ، فانظر في ذلك . « 1 »
( 4 ) باب كتبه عليه السّلام إلى أبي أيّوب الخوري ، وغيره
( 1 ) الخرائج والجرائح : تقدّم ( 238 ح 17 ) ، وفيه : عن سليمان بن خالد ، قال :
كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام وهو يكتب كتبا إلى بغداد . . . . »
هامش
( 1 ) 1 / 209 ح 76 ، عنه الوسائل : 18 / 31 ح 32 ، والبحار : 2 / 313 ح 77 .