أخرجه اللّه من صفة الحقّ ، ولم يجعله من أهلها ، فإنّ من لم يجعله اللّه من أهل صفة الحقّ ، فأولئك هم شياطين الإنس والجنّ ، وإنّ لشياطين الإنس حيلة ومكرا وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض ، يريدون - إن استطاعوا - أن يردّوا أهل الحقّ عمّا أكرمهم اللّه به ، من النظر في دين اللّه الّذي لم يجعل اللّه شياطين الإنس من أهله ، إرادة أن يستوي أعداء اللّه وأهل الحقّ في الشكّ والإنكار والتكذيب ، فيكونون سواء كما وصف اللّه تعالى في كتابه من قوله :
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً
« 1 »
ثمّ نهى اللّه أهل النصر بالحقّ أن يتّخذوا من أعداء اللّه وليّا ولا نصيرا ، فلا يهوّلنّكم ولا يردّنّكم عن النصر بالحقّ الّذي خصّكم اللّه به من حيلة شياطين الإنس ومكرهم من « 2 »
أموركم ، تدفعون أنتم السيّئة بالّتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم ، تلتمسون بذلك وجه ربّكم بطاعته ، وهم لا خير عندهم ، لا يحلّ لكم أن تظهروهم على أصول دين اللّه ؛
فإنّهم إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ، ورفعوه عليكم ، وجاهدوا على هلاككم ، واستقبلوكم بما تكرهون ، ولم يكن لكم النصفة منهم في دول الفجّار ، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل ، فإنّه لا ينبغي لأهل الحقّ أن ينزّلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل لأنّ اللّه لم يجعل أهل الحقّ عنده بمنزلة أهل الباطل ؛
ألم يعرفوا وجه قول اللّه في كتابه إذ يقول :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
« 3 » ؛
أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل ولا تجعلوا اللّه تبارك وتعالى - وله المثل الأعلى - وإمامكم ، ودينكم الّذي تدينون به عرضة لأهل الباطل ، فتغضبوا اللّه عليكم فتهلكوا ؛
فمهلا مهلا يا أهل الصلاح ، لا تتركوا أمر اللّه ، وأمر من أمركم بطاعته ، فيغيّر اللّه ما بكم من نعمة ، أحبّوا في اللّه من وصف صفتكم ، وأبغضوا في اللّه من خالفكم ؛
وابذلوا مودّتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم ، ولا تبتذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها ، وبغى لكم الغوائل .
هامش
( 1 ) النساء : 89 .
( 2 ) في بعض النسخ المصحّحة [ من هنا ] متّصل بما تقدّم ص 857 :
« ولا صبر لهم على شيء » .
( 3 ) سورة ص : 28 .