فلمّا أشرف على الهاشميّة « 1 » مدينة أبي جعفر ، أخرج رجله من غرز « 2 » الرحل ، ثمّ نزل ودع ببغلة شهباء ، ولبس ثيابا بيضا وكمّة بيضاء ؛
فلمّا دخل عليه ، قال له أبو جعفر : لقد تشبّهت بالأنبياء ؟ !
فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : وأنّى تبعّدني من أبناء الأنبياء ؟
قال : لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها ، ويسبي ذريّتها .
فقال : ولم ذاك يا أمير المؤمنين ؟
فقال : رفع إليّ أنّ مولاك المعلّى بن خنيس يدعو إليك ويجمع لك الأموال .
فقال : - واللّه - ما كان .
فقال : لست أرضى منك إلّا بالطلاق والعتاق والهدي « 3 » والمشي . فقال :
أبا لأنداد من دون اللّه تأمرني أن أحلف ؟ إنّه من لم يرض باللّه فليس من اللّه في شيء .
فقال : أتتفقّه عليّ ؟ فقال : وأنّى تبعّدني من الفقه « 4 » ، وأنا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ !
فقال : فإنّي أجمع بينك وبين من سعى بك . قال : فافعل .
فجاء الرجل الّذي سعى به ، فقال [ له ] أبو عبد اللّه عليه السّلام : يا هذا ! فقال : نعم ، واللّه الّذي لا إله إلّا هو ، عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ، لقد فعلت .
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : ويلك تمجّد « 5 » اللّه فيستحي من تعذيبك ، ولكن قل :
هامش
( 1 ) الهاشميّة : مدينة بناها السفّاح بالكوفة ، وذلك أنّه لمّا ولّى الخلافة نزل بقصر ابن هبيرة واستتمّ بناءه ، وجعله مدينة ، وسمّاها الهاشميّة : فكان الناس يسمّونها بابن هبيرة ، فقال : ما أرى ذكر ابن هبيرة سقط عنها ، فرفضها وبنى أخرى حيالها وسمّاها الهاشميّة ، ونزلها ، ثمّ انتقل إلى الأنبار وبنى مدينته المعروفة به إلى جانبها ، فلمّا مات دفن بها واستخلف المنصور فنزلها واستتمّ بناء ما كان بقي فيها ، ثمّ تحوّل عنها فبنى بغداد ( مراصد الاطلاع : 3 / 1449 ) .
أقول : الظاهر حسب ترتيب المؤلّف أن يوضع هذا الحديث في الباب الرابع ( باب استدعاء المنصور الصادق عليه السّلام إلى الكوفة ص 414 ) .
( 2 ) الغرز : كأب الرحل من جلد . والكمّة : القلنسوة المدوّرة .
( 3 ) الهدي والهدي : هو ما يهدى إلى بيت اللّه الحرام من بدنة أو غيره .
( 4 ) « التفقّه » ع ، ب .
( 5 ) « تجلّل » ع ، ب .