فكاد المنصور أن يأكل كفّه على جعفر غيظا ، وكتب إلى عمّه داود بن عليّ ، وداود إذ ذاك أمير المدينة ، أن يسيّر إليه جعفر بن محمّد ، ولا يرخّص له في التلوّم « 1 » والمقام .
فبعث إليه داود بكتاب المنصور ، وقال [ له ] :
اعمد على المسير إلى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخّر .
قال صفوان : وكنت بالمدينة يومئذ ، فأنفذ إليّ جعفر عليه السّلام ، فصرت إليه ، فقال لي : تعهّد راحلتنا ، فإنّا غادون في غد - إن شاء اللّه - إلى العراق .
ونهض من وقته - وأنا معه - إلى مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكان ذلك بين الأولى والعصر ، فركع فيه ركعات ، ثمّ رفع يديه ، فحفظت يومئذ من دعائه :
يا من ليس له ابتداء . . . ( الدعاء ) .
قال صفوان : سألت أبا عبد اللّه الصادق عليه السّلام بأن يعيد الدعاء عليّ ، فأعاده وكتبته .
فلمّا أصبح أبو عبد اللّه عليه السّلام رحلت له الناقة « 2 » ، وسار متوجّها إلى العراق ، حتّى قدم مدينة أبي جعفر « 3 » ، وأقبل حتّى استأذن ، فأذن له .
قال صفوان : فأخبرني بعض من شهده عند أبي جعفر ، قال :
فلمّا رآه أبو جعفر قرّبه وأدناه . ثمّ أسند قصّة الرافع على أبي عبد اللّه عليه السّلام ، يقول في قصّته : إنّ معلّى بن خنيس مولى جعفر بن محمّد يجبي له الأموال [ من جميع الآفاق ، وإنّه مدّ بها محمّد بن عبد اللّه ، فدفع إليه القصّة ، فقرأها أبو عبد اللّه عليه السّلام ، فأقبل عليه المنصور ، فقال :
يا جعفر بن محمّد ! ما هذه الأموال الّتي يجبيها لك معلّى بن خنيس ؟ ]
فقال أبو عبد اللّه : معاذ اللّه من ذلك يا أمير المؤمنين .
قال له : تحلف على براءتك [ من ذلك ] ؟
قال : نعم ، أحلف باللّه أنّه ما كان من ذلك شيء .
قال أبو جعفر : لا بل ، تحلف بالطلاق والعتاق .
هامش
( 1 ) « تلوّم في الأمر : تمكّث وانتظر » منه ره .
( 2 ) رحل الناقة : شدّ على ظهرها الرحل .
( 3 ) يأتي ص 427 وجه التسمية بمدينة أبي جعفر المنصور .