فقال لي : يا أهل الكوفة ! أنتم قوم ما تطاقون ، إذا رأيت أبا جعفر عليه السّلام فأخبرني فما انقطع كلامه « 1 » حتّى أقبل أبو جعفر عليه السّلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ ، فمضى حتّى جلس مجلسه ، وجلس الرجل قريبا منه ؛
قال أبو حمزة : فجلست حيث أسمع الكلام ، وحوله عالم من الناس ، فلمّا قضى حوائجهم وانصرفوا ، التفت إلى الرجل ، فقال له : من أنت ؟
قال : أنا قتادة بن دعامة البصري .
فقال له أبو جعفر عليه السّلام : أنت فقيه أهل البصرة ؟ قال : نعم .
فقال له أبو جعفر عليه السّلام : ويحك يا قتادة ، إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق خلقا [ من خلقه ] فجعلهم حججا على خلقه ، فهم أوتاد في أرضه ، قوّام بأمره ، نجباء في علمه اصطفاهم قبل خلقه ، أظلّة عن يمين عرشه . قال :
فسكت قتادة طويلا ، ثمّ قال : أصلحك اللّه ، واللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس ، فما اضطرب قلبي قدّام أحد « 2 » منهم ما اضطرب قدّامك !
فقال أبو جعفر عليه السّلام : أتدري أين أنت ؟ أنت بين يدي « بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة » « 3 » فأنت ثمّ ، ونحن أولئك . فقال له قتادة :
صدقت واللّه ، جعلني اللّه فداك ، واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين ؛ قال قتادة : فأخبرني عن الجبن ؛
فتبسّم أبو جعفر عليه السّلام ، ثمّ قال : رجعت مسائلك إلى هذا ؟ قال : ضلّت عنّي .
فقال : لا بأس به . فقال : إنّه ربّما جعلت فيه إنفحة « 4 » الميّت .
قال : ليس بها بأس ، إنّ الإنفحة ليس لها عروق ، ولا فيها دم ولا لها عظم ، إنّما
هامش
( 1 ) - « كلامي معه » م .
( 2 ) - « واحد » م .
( 3 ) - اقتباس من سورة النور : 36 .
( 4 ) - الإنفحة - بكسر الهمزة وفتح الفاء المخففة - : كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل ، فإذا أكل فهو كرش . قال الأزهري ، عن الليث : الإنفحة لا تكون إلّا الذي كرش ، وهو شيء يستخرج من بطنه ، أصفر يعصر في صوفة مبتلّة في اللبن ، فيغلظ كالجبن . راجع لسان العرب : 2 / 624 .