ويبايعون ، ما بين قائل بلسانه ومقرّ بجنانه ، وما بين مردّد لكلمات ألجأه الموقف للفظها ، ثمّ نكثها بعد ذلك ونساها حتّى كأنّه ما سمع شيئا ! وهناك أيضا من زيّن له الشيطان سوء عمله فعصى وتجبّر ، وطغى وتكبّر ، فكان جزاؤه وافرا من الخزي والذلّ في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة بما كسبت يداه .
فهذا رجل يقول دون أدنى حياء أو خجل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
« لا نصدّق محمّدا على مقالته ، ولا نقرّ لعليّ بولايته » ! فأنزل سبحانه وتعالى :
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
« 1 » .
وذاك الحارث الفهري - وقيل : جابر العبدري - يجادل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تعنّتا وبمنتهى التجبّر والغباء ، وقد بلغ من تفاهته وحقده أن قال : . . . رفعت ضبع ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » أفهذا الشيء منك أم من اللّه ؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : والّذي لا إله إلّا هو ، إنّ هذا من اللّه .
فولّى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللّهمّ إن كان ما يقول محمد حقّا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فما وصل إليها حتّى رماه اللّه بحجر ، فسقط على هامته ، وخرج من دبره فقتله ، وأنزل تعالى :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ
« 2 » .
فنال كلّ شقيّ منهما جزاء فعلته ، وذهب بعارها وشنارها إلى يوم القيامة .
والّذي يهمّنا هنا - عزيزي القارئ - هو المقطع الثالث :
أعني واقعة الغدير ، تلك الواقعة الّتي رواها جمع عديد من الصحابة والتابعين ونقلها الحفّاظ وأئمّة الحديث ، وفاضت بها الصحاح والمسانيد ، واتّفق أرباب السير والتاريخ والتفسير والمحدّثون على صحّتها وشهرتها وتواترها ، بشكل لم تشهد بمثله واقعة أخرى في تاريخنا الإسلامي المجيد ، سيّما وقد اختصّها اللّه بآيتين من القرآن الكريم في سورة المائدة المتقدّم ذكرهما ؛
هامش
( 1 ) القيامة : 31 .
( 2 ) المعارج : 1 .