إنّ الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت ، وإنّ العلماء ورثوا العلم بالطلب ، وإن الصدّيقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة ، فمن أخذه بهذه السيرة « 1 » إمّا أن يسفل وإمّا أن يرفع ، وأكثرهم الذي يسفل ، ولا يرفع إذا لم يرع حقّ اللّه ولم يعمل بما امر به .
فهذه صفة من لم يعرف اللّه حقّ معرفته ولم يحبّه حقّ محبّته ، فلا يغرّنّك صلاتهم وصيامهم ورواياتهم وعلومهم ، فإنّهم حمر مستنفرة .
ثم قال : يا يونس إذا أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت ، فإنّا ورثناه ، وأوتينا شرع الحكمة وفصل الخطاب . فقلت : يا ابن رسول اللّه وكلّ من كان من أهل البيت ورث كما ورثتم من كان من ولد علي وفاطمة عليهما السّلام ؟
فقال : ما ورثه إلّا الأئمة الاثنا عشر . قلت : سمّهم لي يا ابن رسول اللّه .
قال : أولهم علي بن أبي طالب ، وبعده الحسن والحسين ، وبعده علي بن الحسين ، وبعده محمد بن علي الباقر ، ثم أنا ، وبعدي موسى ولدي ، وبعد موسى علي ابنه ، وبعد علي [ محمّد ابنه ] ، وبعد محمد علي [ ابنه ] وبعد علي الحسن [ ابنه ] ، وبعد الحسن الحجّة صلوات اللّه عليهم اصطفانا اللّه وطهّرنا وأوتينا ما لم يؤت أحد من العالمين .
ثم قلت : يا ابن رسول اللّه إنّ عبد اللّه بن سعد دخل عليك بالأمس فسألك عمّا سألتك فأجبته بخلاف هذا .
فقال : يا يونس كلّ امرئ وما يحتمله ، ولكلّ وقت حديثه ، وإنّك لأهل لما سألت ،
هامش
( 1 ) - « توضيح : قوله « فمن أخذه بهذه السيرة » وفي بعض النسخ « فمن أخذه بهذه المسيرة » فالضمير راجع إلى اللّه أو إلى كل واحد من الحكمة والعلم والصدق والمراد بهذه [ السيرة أو ] المسيرة طلب الحكمة بالصمت ، والعلم بالطلب ، والصدق بالعبادة ، ولا يبعد أن يكون في الأصل « فمن أخذ هذه المسيرة » ولعلّ حاصل المعنى أن الإنسان إذا عمل الطاعات مع التفكّر وأعمل فكرته في خالقه وفيما خلق له وفيما يجب عليه تحصيله ، وفي السبيل الذي ينبغي له أن يحصّل ذلك منه ، وفي الباب الذي يجب أن يأتي اللّه منه ، وفي العمل الذي يوجب قربه ويورث نجاته ، فيعمل بعد ذلك خالصا على يقين ، فذلك يوصله إلى درجة المحبّة ، ويفتح اللّه [ عليه ] به أبواب الحكمة ، ويفيض على قلبه من ألطافه الخاصة .
وأما إذا طلب الحكمة بمحض الصمت ، والعلم بمحض الطلب من غير أنّ يتفكّر فيمن يطلب منه العلم ، والصدق بالعبادة من غير أن يتفكّر فيما ينجيه منها فمثل هذا قد يتفق له سبيل النجاة ، فيرفع إلى بعض السعادات ، وقد يتّفق له طريق الهلاك فيتحيّر في الجهالات ، ولا يزيده كثرة السير إلّا بعدا عن الكمالات ، وهذا الأخير إليه أقرب من الأول ، ولتحقيق ذلك مقام آخر ، وهذا الخبر مشتمل على كثير من الحقائق الربانيّة والأسرار الإلهية ، ينتفع بها من نوّر اللّه قلبه بنور الإيمان ، واللّه الموفق وعليه التكلان . » منه قدس سره .