فقال : وكيف أعبد من لم أره ، لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته العقول بحقائق الإيمان ، وإذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر ، فإنّ كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق ، ولا بدّ للمخلوق من الخالق ، فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا ، ومن شبّهه بخلقه فقد اتّخذ مع اللّه شريكا ، ويلهم أو لم يسمعوا قول اللّه تعالى
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 1 » .
وقوله :
« لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا »
« 2 » وإنّما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سمّ الخياط ، فدكدكت الأرض وصعقت الجبال « فخرّ موسى صعقا » أي ميتا « فلمّا أفاق » وردّ عليه روحه « قال سبحانك تبت إليك » من قول من زعم أنّك ترى ، ورجعت إلى معرفتي بك أنّ الأبصار لا تدركك « وأنا أوّل المؤمنين » وأوّل المقرّين بأنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى .
ثم قال عليه السّلام : إنّ أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الربّ والإقرار له بالعبودية ، وحدّ المعرفة أن يعرف أنّه لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير [ له ] ، وأن يعرف أنّه قديم مثبت ، موجود غير فقيد ، موصوف من غير شبيه ولا مثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
وبعده معرفة الرسول صلّى اللّه عليه وآله والشهادة [ له ] بالنبوة ، وأدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوّته ، وأنّ ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك من اللّه عزّ وجلّ .
وبعده معرفة الإمام الذي به يأتمّ ، بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر ، وأدنى معرفة الإمام أنّه عدل النبي - إلّا درجة النبوّة - ووارثه ، وأنّ طاعته طاعة اللّه وطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، والتسليم له في كل أمر والردّ إليه والأخذ بقوله .
ويعلم أنّ الإمام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السّلام وبعده الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي ، ثم أنا ، ثم [ من ] بعدي موسى ابني وبعده علي ابنه ، وبعد علي محمد ابنه ، وبعد محمد علي ابنه ، وبعد علي الحسن ابنه ، والحجّة من ولد الحسن .
ثم قال : يا معاوية جعلت لك أصلا في هذا فاعمل عليه ، فلو كنت تموت على ما كنت عليه لكان حالك أسوأ الأحوال ، فلا يغرنّك قول من زعم أن اللّه يرى بالبصر .
هامش
( 1 ) - الأنعام : 103 .
( 2 ) - الأعراف : 143 .