اقترب ، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه ، فإنكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم ، وليكذبنّ أديانكم ، وليدعونّكم إلى ربّ تعرفونه ، ودين تنكرونه .
قالت : فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت : لأنت أعته وأجنّ من ابني ، ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به ، فاطلب لنفسك من يقتلك ، فإنا لا نقتل محمدا صلى اللّه عليه وسلم .
فاحتملته فأتيت به منزلي فما علمنا منزلا من منازل بني سعد إلا وقد شممنا منه ريح المسك الإذفر ، وكان في كل يوم ينزل عليه رجلان أبيضان فيغيبان في ثيابه ولا يظهران ، فقال الناس :
ردّيه على عبد المطلب وأخرجي من أمانتك ، قالت : فعزمت على ذلك ، فسمعت مناديا ينادي : هنيئا لك يا بطحاء مكة ، اليوم يردّ إليك النّور والزّين والبهاء والكمال ، فقد أمنت من أن تجدبين أو تخربين أبد الآبدين ، ودهر الداهرين .
قالت : فركبت أتاني وحملت النبي صلى اللّه عليه وسلم بين يدي ، وأقبلت أسير حتى أتيت إلى الباب الأعظم - من أبواب مكة - وعليه جماعة مجتمعون ، فوضعته لأقضي حاجتي وأصلح ثيابي ، فسمعت هدّة شديدة ، فالتفتّ فلم أره ، فقلت : معاشر الناس أين الصبي ؟ فقالوا : أيّ صبيّ ؟ قالت قلت :
محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الذي نضّر اللّه به وجهي ، وأغنى عيلتي ، وأشبع جوعتي ، ربّيته حتى أدركت فيه سروري وأملي ، فأتيت به لأردّه ، وأخرج من أمانتي فاختلس من يدي قبل أن تمسّ قدمه الأرض ، واللات والعزّى لئن لم أره لأرمينّ نفسي من شاهق الجبل ، ولأتقطّعنّ إربا إربا .
مناحل الشفا ومناهل الصفا بتحقيق كتاب شرف المصطفى ( ص ) — صفحة 381
مساهمون: عبد الملك الخركوشي النيسابوري
ص٣٨١