الرضاع في كل دعة وسرور ، ما غسلت له بولا قط ، طهارة ونظافة ، إنما كان له في كل يوم وقت واحد يتوضأ فيه ولا يعود إلا في وقته من الغد ، واجتنبت زوجي جهدي وهو في الرضاع .
فلما ترعرع كان يخرج إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم ، فقال لي يوما من الأيام : ما لي لا أرى إخوتي بالنهار ؟ قالت : قلت : فدتك نفسي يرعون غنما لنا ، فيروحون من ليل إلى ليل ، فأسبل عينيه وبكى ، وقال :
يا أماه فما أصنع إذا هاهنا وحدي ؟ ابعثي بي غدا معهم ، قالت : قلت :
وتحب ذلك ؟ قال : نعم ، فلما أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دهنته وكحلته وقمصته وعمدت إلى جذعة يمانية فعلقتها في عنقه حرزا من العين ، وأخذ عصا وخرج مع إخوته ، وكان يخرج مسرورا ويرجع مبرورا ، فلما كان يوما من الأيام خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا ، فلما انتصف النهار إذا أنا بابني ضمرة يعدو ، قد علاه العرق ورشح الجبين باكيا ينادي : يا أماه ، يا أباه أدركا أخي محمدا ، فما أراكما تلحقانه إلا ميتا .
قالت قلت : وما قصته ؟ قال : بينا نحن قيام نترامى بيننا بالجلّة ، ونلعب إذ أتاه رجل فاختطفه من أواسطنا وعلا به على ذروة من الجبل ،
شرح
قوله : « وعمدت إلى جذعة » :
بالذال المعجمة ويقال : بالدال المهملة ، وفي اللسان : قال أبو الهيثم :
الذي عندنا في ذلك أن الجدع والجذع واحد ، وهو حبس من تحبسه على سوء ، وفي رواية : وعمدت إلى خرزة جزع يمانية .
قوله : « بالجلة » :
بالجيم وتشديد اللام ، وعاء يتخذ من الخوص ، يوضع فيه الثمر ، وقيل :
المراد هنا البعر .