تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
ترى ان هذا التبدل الذي حدث في الحجاز من أقصاه إلى أقصاه إذا استتب واستقر يشكل خطرا عليها ، فحشدت جيوشها على الحدود لغزو الحجاز ، ولما بلغ النبي خبرهم تحرك من المدينة في ثلاثين ألفا أو أكثر من ذلك ، وحينما بلغتهم اخباره استولى عليهم الخوف فانسحبوا إلى داخل حصونهم واعتصموا بها خوفا من ذلك الجيش الزاحف بقيادة محمد بن عبد اللّه ( ص ) ، وحينما بلغ تبوك لم يجد غير سكان المنطقة فنزلوا على شروطه وعاهدوه ان لا يتعاونوا مع أحد عليه ، ولا يتخذوا من بلادهم مركزا للعدوان على أراضي الحجاز ، وبذلك يكون النبي قد حقق في هذه الغزوة انتصارا لم تحققه غزوة من غزواته ، فلقد انهار ذلك الجيش الذي يبلغ مائتي الف أو يزيد وانسحب عن خط المواجهة إلى حصونه ومعسكراته وسلمت للمسلمين تلك المناطق المتاخمة لحدود الحجاز بعد ان التزم أهلها بالجزية وعاهدوا النبي على أن لا يتعاونوا مع أحد ضده . ولكن أكثر المسلمين لم يدركوا تلك النتائج التي حققتها تلك الغزوة ولم يقيموا لها وزنا ، وجعل جماعة من المنافقين يهزأون مما تم فيها ، لأنها لم تدر عليهم ربحا ماديا كبقية الغزوات ولم تحقق لهم الأهداف التي كانوا يحلمون بها . وجاءه جماعة ممن تخلف عنه يعتذرون إليه فلم يقبل معذرتهم ، وبدأ يتشدد في معاملة المنافقين شدة لم يألفوها من قبل ، وتبين له بعد ان عسكر ابن أبي فيهم ولم يكونوا بأقل مما كان معه كما جاء في رواية ابن هشام وابن سعد وغيرهما ، تبين له ان التساهل معهم يشجعهم على الفساد وبث الفوضى في صفوف المسلمين . وجاء القرآن الكريم ليطلعه على كثير من اخبارهم وتصرفاتهم ويحذره مكرهم ووساوسهم ويأمره ان لا يستعين بهم في حرب أعدائه وان لا يقبل لهم معذرة فقال سبحانه في سورة التوبة :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
( التوبة 83 ) .