أيها الناس ان اللّه حرم مكة يوم خلق اللّه السماوات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة لا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر ان يسفك فيها دما أو يقطع فيها شجرا ، لم تحلل لأحد كان قبلي ، ولا تحل لأحد يكون بعدي ، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها ، ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، فمن قال لكم ان رسول اللّه قد قاتل فيها فقولوا : ان اللّه قد أحلها لرسوله ولم يحللها لكم ، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر ان نفع ، لقد قتلتم قتيلا لأدينه من مالي ، فمن قتل بعد مقالي هذا فأهله بخير النظرين ، ان شاءوا فدم قاتله وإن شاءوا فديته ، ثم أدى دية القتيل .
واكبرت منه قريش جميع مواقفه من مكة وأهلها التي تجلى فيها تعظيم مكة وتقديسها وعطفه وسماحته وعفوه العام الذي شمل أشد الناس عداوة له فمالت قلوبهم إليه واقبلوا على الإسلام يقول بعضهم لبعض من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يترك في داره صنما الا حطمه ، واستسلم سادتها واتباعهم وعلت كلمة اللّه في جنباتها ، وانزل اللّه على رسوله :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
( سورة النصر ) .
وحدث ابن هشام في سيرته انه بينما كان النبي يطوف بالبيت بعد ان دخل مكة فاتحا اقبل عليه فضالة بن عمير بن الملوح الليثي وهو يحدث نفسه بقتله فلما اقبل عليه قال له النبي أفضالة : قال نعم يا رسول اللّه قال بما ذا كنت تحدث نفسك قال لا شيء ، لقد كنت اذكر اللّه ، فضحك النبي ، ثم قال استغفر اللّه ووضع يده على صدري فسكن قلبي ، وأضاف إلى ذلك ابن هشام في سيرته ان فضالة كان يقول : بعد ذلك واللّه ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق اللّه أحد أحب إلي منه ثم رجعت إلى أهلي فمررت على امرأة كنت أتحدث إليها ، فقالت هلم إلى الحديث فقلت : لا . ثم انبعث يقول :
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك اللّه الاسلام