وغلظة تبدو عليها الغطرسة والجبروت ، كما يبدو ذلك من موقف كسرى حينما وصله كتاب النبي حيث اخذه الغضب ، فمزق الكتاب وبعث إلى عامله على اليمن ان يغزو محمدا ويبعث إليه برأسه ، وكانت النتيجة ان بازان ارسل رسالة إلى النبي لم يذكر المؤرخون محتوياتها .
وخلال ذلك مات كسرى وانتقل ملكه إلى ولده شيرويه ، وعرف النبي بذلك ساعة موته ، فأخبر رسل بازان عامله على اليمن بموته ، ورغب إليهم ان يكونوا رسله إلى بازان يدعونه إلى الاسلام ، وكان الأمر كذلك ، فاستجاب له بازان وجماعة من الناس ودخلوا في الاسلام وكانوا قد عرفوا قبل ذلك بظهور الاسلام وانتصاراته المتتالية على عرب الجزيرة ، وقاسوا من الاستعمار الفارسي ضروبا من الاستغلال والامتهان ، ووجدوا في الدين الجديد منفذا لهم إلى التحرر ، فرحبوا بالدعوة وبقي بازان عاملا للنبي على اليمن كما تنص على ذلك بعض المرويات .
وكما يبدو من موقف الحارث الغساني حيث بعث إلى هرقل يستأذنه في أن يبعث جيشا لحرب النبي يتولى قيادته بنفسه ، ولكن هرقل لم يعبأ برسالة النبي واعتقد انها لا تشكل خطرا عليه ، فلم يوافق الحارث على رأيه وطلب منه ان يأتي إليه ليرافقه إلى زيارة بيت المقدس ، ولم يكن ليتصور ان تلك الدعوة من النبي سيقيض اللّه لها النجاح العاجل ، وان بلاد الشام وفلسطين وأكثر المناطق التي كانت تخضع لحكم الرومان ستكون بعد سنوات قليلات خاضعة لذلك الدين الذي يدعوه إليه اليوم .
وكان رد المقوقس في مصر يحمل طابعا آخر ، فقد أكرم الرسول وأحسن ضيافته وحمله رسالة إلى النبي تتضمن الاعتراف منه بظهور نبي في ذلك العصر ، ولكنه على حد زعمه انه سينطلق أول ما ينطلق من بلاد الشام لا من الحجاز ، وأرسل له مع الرسول بهدية جاريتين وبغلة بيضاء وحمارا ومقدارا من المال فقبل هديته شاكرا له صنيعه ، اما رد النجاشي فقد كان
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 556
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٥٥٦