وقد روى هذا الموقف للفرزدق مع هشام بن عبد الملك أكثر المؤرخين والمحدثين بتفاوت يسير في الشكل الذي وقع عليه الحادث وفي عدد الأبيات التي أنشدها أبو فراس في ذلك الموقف متحديا بها سلطان أولئك الحكام الجبابرة المعتزين بملكهم وجندهم فلم يغن عنهم الجند والملك شيئا في ذلك الموقف الذي تتدافع فيه الجماهير وتتسابق لاستلام الحجر ، حتى إذا اقبل الإمام ( ع ) المعتز باللّه وحده انفرجت له الحشود المتدفقة كالسيل وانكشفت له عن ركن البيت ووقف الناس كلهم وكأن الأرض تشدهم إلى أعماقها حتى إذا قضى الامام حاجته وترك المكان عاد الناس يتسابقون ويتدافعون كحالتهم الأولى ، هذا وأهل الشام ينظرون إلى هذا المشهد الغريب وينتظرون من يعرفهم بالشاب الذي هابه الناس وعظموه بعد أن تجاهله خليفتهم وقال لا أعرفه . لقد كان يتمنى ان لا يعرفه أهل الشام لأنه كان هو وأسلافه من بني أمية يزعمون لأهل الشام بأنهم آل الرسول الذي أمر اللّه بمودتهم ، ولم يكن يحسب أن ابا فراس سيصفعه بتلك الصفعة التي كانت عليه أشد من الصاعقة وهو يقول :
وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم
هذا علي رسول اللّه والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا ابن فاطمة ان كنت تجهله * بجده أنبياء اللّه قد ختموا
ويدعي الرواة ان هشام بن عبد الملك قد غضب على الفرزدق ، وأمر بحبسه بعسفان وهو مكان بين مكة والمدينة وأوصى بالتضييق عليه وأضاف الرواة إلى ذلك أن الإمام علي بن الحسين ( ع ) أرسل له ألف دينار فردها الفرزدق وقال للرسول : إني لم أقل ما قلت إلا غضبا للّه ولرسوله ولا آخذ على طاعة اللّه اجرا ، فأعادها الإمام ( ع ) وأرسل إليه : نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما أعطينا فقبلها الفرزدق وبقي في حبس هشام مدة من الزمن