شابا من بني عمومتي مجزرين كالأضاحي ، ونظرت إلى عماتي وأخواتي وقد أحاط بهم أهل الكوفة وهن يستغثن ويندبن قتلاهن ، واللّه ما ذكرت ذلك اليوم إلا وخنقتني العبرة .
وجاء عن أبي عبد اللّه الصادق ( ع ) أنه قال : البكاءون خمسة : آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد ( ص ) وعلي بن الحسين ، أما آدم فلقد بكى واشتد حزنه لما أخرجه اللّه من الجنة ، وأما يعقوب فلقد بكى على ولده يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن وقيل له
( تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ )
وأما يوسف فإنه بكى على أبيه حتى تأذى من كان معه في السجن ، وأما فاطمة فقد بكت على أبيها حتى لحقت به وقد تأذى أهل المدينة من بكائها وقالوا لها : لقد آذيتنا بكثرة بكائك ، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء تبكي يومها فإذا جاء الليل رجعت إلى بيتها ، وأما علي بن الحسين ( ع ) فلقد بكى على أبيه أكثر من ثلاثين سنة ولم يقدم له طعام وشراب إلا وقال : كيف آكل وقد قتل أبو عبد اللّه جائعا وكيف أشرب وقد قتل أبو عبد اللّه عطشان ، إلى غير ذلك مما رواه الرواة عن حزنه وبكائه عند كل مناسبة تذكره بما جرى الأهل بيته من المآسي والمصائب التي تحمل مرارتها طيلة حياته وكان كلما اجتمع إليه جماعة أو وفد من وفود الأقطار يردد عليهم تلك المأساة ويقص عليهم من أخبارها ويخرج إلى السوق أحيانا فإذا رأى جزارا يريد أن يذبح شاة أو غيرها يدنو منه ويقول : هل سقيتها الماء ؟
فيقول له : نعم يا ابن رسول اللّه ، انا لا نذبح حيوانا حتى نسقيه ولو قليلا من الماء ، فيبكي عند ذلك ويقول : لقد ذبح أبو عبد اللّه عطشان .
وجاء عنه انه دخل يوما فرأى غريبا فسلم عليه ودعاه إلى بيته لضيافته ، وقال له بحضور جمع من الناس : أترى لو أصابك الموت وأنت غريب عن أهلك هل تجد من يغسلك ويدفنك ؟ فقال الناس : يا ابن رسول اللّه كلنا يقوم بهذا الواجب ، فبكى وقال : لقد قتل أبو عبد اللّه غريبا وبقي ثلاثة أيام تصهره الشمس بلا غسل ولا كفن .