فأنشده شعرا :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم * وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارح من بعد دفنهم * أين الأساور والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعّة * من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنها حين سائله * تلك الوجوه عليها الدود تقتتل
قد طال ما أكلوا قدما وقد شربوا * وأصبح اليوم بعد الأكل قد اكلوا
قال : فبكى المتوكّل حتّى بلّت لحيته دموع عينيه ، وبكى الحاضرون ودفع إلى عليّ عليه السّلام أربعة آلاف دينار وردّه إلى منزله مكرّما « 1 » .
[ في ] كتاب الاستدراك عن البختري قال : كنت بحضرة المتوكّل إذ دخل عليه رجل من أولاد محمّد بن الحنفية حلو العينين حسن الثياب فوقف بين يديه والمتوكّل مقبل على الفتح يحدّثه ، فلمّا طال وقوف الفتى بين يديه وهو لا ينظر إليه قال له : يا أمير المؤمنين إن [ كنت قد ] « 2 » أحضرتني لتأديبي فقد أسأت الأدب وإن كنت قد أحضرتني ليعرف من بحضرتك من أوباش الناس استهانتك بأهلي فقد عرفوا ، فقال له المتوكّل : واللّه يا حنفي لولا ما يثنيني عليك من أوصال الرحم ويعطفني عليك من مواقع الحلم لانتزعت لسانك بيدي ولفرّقت بين رأسك وجسدك ، ولو كان بمكانك محمّد أبوك ، ثمّ التفت إلى الفتح فقال : أما تراه ما تلقاه من آل أبي طالب ، اما حسني يجذب إلى نفسه تاج عزّ نقله اللّه إلينا أو حسينيّ يسعى في بعض ما أنزله اللّه إلينا أو حنفي يدلّ بجهله أسيافنا على سفك دمه .
فقال له الفتى : وأي حلم تركته لك الخمور وإدمانها أم العيدان وفتيانها ومتى عطفك الرحم على أهلي وقد ابتززتهم فدكا إرثهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فورثها أبو حرملة ، وأمّا ذكرك محمّد أبي فقد طفقت تضع من عزّ رفع اللّه ورسوله وتطاول شرفا تقصر عنه ولا تطوله ، فأنت كما قال الشاعر ، شعر :
فغض الطرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار : 50 / 211 ، ومستدرك الوسائل : 13 / 180 ح 14 .
( 2 ) - زيادة من المصدر .