فإن وجدتموه قاعدا أو قائما فلا تكلّموه وضعوا أسيافكم عليه اخلطوا لحمه ودمه ثمّ اقلبوا عليه بساطه وامسحوا أسيافكم به وصيّروا إليّ وقد جعلت لكلّ واحد عشر بدر دراهم وعشر ضياع منتخبة ، فأخذنا الأسياف بأيدينا ودخلنا عليه في حجرته فوجدناه مضطجعا يقلّب يديه ويتكلّم بكلام لا نعرفه ، فبادر الغلمان إليه بالسيوف ووضعت سيفي وأنا قائم أنظر إليه وكأنّه قد علم بمصيرنا إليه فلبس على بدنه ما لا يعمل فيه السيوف فطووا عليه بساطه وخرجوا حتّى دخلوا على المأمون وقالوا : فعلنا ما أمرتنا به .
فقال : اكتموا فلمّا طلع الفجر خرج المأمون فجلس في مجلسه مكشوف الرأس محلول الإزار وأظهر وفاته وقعد للتعزية ثمّ قام حافيا فمشى لينظر إليه وأنا بين يديه ، فلمّا دخل عليه حجرته سمع همهمة فأرعد ثمّ قال من عنده ؟ قلت : لا علم لنا ، فقال : اسرعوا وانظروا ، قال صبيح : فأسرعنا إلى البيت فإذا سيّدي جالس في محرابه يصلّي ويسبّح فقلت : يا أمير المؤمنين هو ذا نرى شخصا في محرابه يصلّي ويصبح ، فانتفض المأمون وارتعد ثمّ قال : غررتموني لعنكم اللّه فالتفت إليّ وقال : يا صبيح أنت تعرفه فانظر إليه فدخلت ورجع المأمون ، فلمّا صرت عند عتبة الباب قال لي : يا صبيح .
قلت : لبّيك يا مولاي . فقال :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
« 1 » فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل ، فقلت له : هذا الرضا جالس في حجرته فشدّ إزاره وأمر بردّ أثوابه وقال : قولوا إنّه غشي عليه وأنّه أفاق .
قال هرثمة : فشكرت اللّه عزّ وجلّ ثمّ دخلت على سيّدي فقال : يا هرثمة لا تحدّث بما حدّثك به صبيح أحدا إلّا من امتحن اللّه قلبه للايمان بمحبّتنا وولايتنا ، فقلت : نعم يا سيّدي ، ثمّ قال : يا هرثمة لا يضرّنا كيدهم شيئا حتّى يبلغ الكتاب أجله « 2 » .
وعن الشيخ المفيد طاب ثراه قال : روي أنّه لمّا سار المأمون إلى خراسان وكان معه الرضا عليه السّلام فقال له : يا أبا الحسن إنّي فكّرت في أمرنا وأمركم ونسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة واحدة ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على العصبية ، فقال عليه السّلام : إنّ لهذا الكلام جوابا ، فقال : قل الجواب ، قال : أنشدك اللّه لو أنّ اللّه تعالى بعث نبيّه أحمدا صلّى اللّه عليه واله
هامش
( 1 ) - سورة التوبة : 32 .
( 2 ) - عيون أخبار الرضا : 1 / 232 ، ودلائل الإمامة : 361 .