الرحمن حتّى أتى أباه وهو عند ابن زياد فأخبره فقال له ابن زياد : فأتني به الساعة فقام وبعث معه خيلا ورجالا ، فلمّا سمع مسلم وقع حوافر الخيل علم أنّه قد أتى فخرج إليهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ثمّ عادوا إليه فقاتلهم قتالا شديدا وقتل منهم خلقا كثيرا ، فأشرفوا عليه من فوق البيوت يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب ويرمونها عليه فخرج عليهم مصلتا سيفه فناداه محمّد بن الأشعث : لك الأمان لا تقتل نفسك وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال فاستند ظهره إلى جنب تلك الدار فأعاد عليه ابن الأشعث : لك الأمان فآمنوه كلّهم فأتى ببغلة فحمل عليها ونزعوا سيفه ، فكأنّه عند ذلك يئس من نفسه ، فبكى فقيل له : ممّ بكاؤك ؟
فقال : ما لنفسي بكيت ولا لها من القتل أرثي ، ولكنّي أبكي لأهلي المقبلين إنّي أبكي للحسين وآل الحسين فقال لمحمّد بن الأشعث : هل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسينا ، فإنّي لا أراه إلّا وقد خرج ويقول له إنّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في يد القوم لا يرى أنّه يمشي حتّى يقتل وهو يقول لك ارجع فداك أبي وامّي بأهل بيتك ولا يغرّونك أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل « 1 » .
وفي رواية ابن شهرآشوب : أنّ ابن زياد أرسل محمّد بن الأشعث ومعه سبعون رجلا إلى مسلم حتّى أطافوا بالدار فحمل مسلم عليهم وهو يقول شعر :
هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع * فأنت بكأس الموت لا شكّ جارع
فصبر لأمر اللّه جلّ جلاله * فحكم قضاء اللّه في الخلق ذائع
فقتل منهم أحد وأربعين رجلا ، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى ابن الأشعث : إنّا بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به فقتل من أصحابك مقتلة عظيمة فكيف إذا أرسلناك إلى غيره فأرسل إليه : أيّها الأمير أتظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقّالي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة الحيرة ، أو لم تعلم أيّها الأمير إنّك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كفّ بطل همام من آل خير الأنام ، فأرسل إليه ابن زياد : أن اعطه الأمان فإنّك لا تقدر عليه إلّا به ولقد كان مسلم
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار : 44 / 353 ، والعوالم : 202 .