الظباء وهي مصفرّة لونها لون الزعفران فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته قد أصبتها فقام إليها فشمّها وقال : هي هي بعينها هذه الأبعار قد شمّها عيسى ، وذلك إنّه مرّ بها ومعه الحواريّون فرأى هاهنا الظبا مجتمعة وهي تبكي فجلس وبكى مع الحواريّين فقالوا ؛ يا روح اللّه ما يبكيك ؟
قال : هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول وفرخ الحرّة الطاهرة شبيهة أمّي وهذه الظبا تكلّمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض ثمّ ضرب بيده إلى هذه البعر فشمّها وقال : هذه بعر الظبا على هذا الطيب لمكان حشيشها ، اللّهمّ فابقها حتّى يشمّها أبوه فيكون له عزاء وسلوة ، قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرّت لطول زمنها وهذه أرض كرب وبلاء ، ثمّ قال : يا ربّ عيسى لا تبارك في قتله ثمّ بكى بكاء طويلا حتّى سقط لوجهه وغشى عليه ، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصره في ردائه وأمرني أن أصرّها كذلك ثمّ قال : يا بن عبّاس رأيتها ينفجر دما عبيطا ويسيل منها دم عبيط ، فاعلم أنّ أبا عبد اللّه قد قتل بها ودفن .
قال ابن عبّاس : فكنت أحافظ عليها ولا أحلّها من طرف كمي فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا فجلست وأنا باك وقلت : قد قتل واللّه الحسين فخرجت عند الفجر فرأيت المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين ثمّ طلعت الشمس كأنّها منكسفة وكأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فبكيت وسمعت صوتا من ناحية البيت وهو يقول :
اصبروا آل الرسول * قتل الفرخ الفحول
نزل الروح الأمين * ببكاء وعويل
فأثبت عندي تلك الساعة وكان شهر المحرّم يوم عاشوراء فوجدته قبل ذلك اليوم ، فحدّثت بهذا الحديث أولئك الذين كانوا معه فقالوا : واللّه لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة ولا ندري ما هو فكنّا نرى أنّه الخضر عليه السّلام « 1 » .
وفي بشائر المصطفى : روي أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يخطب فقال : سلوني قبل أن
هامش
( 1 ) - أمالي الصدوق : 695 ، وبحار الأنوار : 44 / 253 .