هامش
فلمّا أتى لذلك أيّام دخل أبو طالب إلى منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ومعه جعفر ، فنظر إلى رسول اللّه وعليّ بجنبه يصلّيان ، فقال لجعفر : صلّ جناح ابن عمّك ، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر ، فلمّا وقف جعفر على يساره بدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من بينهما وتقدّم وأنشأ أبو طالب في ذلك شعرا :إنّ عليّا وجعفرا ثقتي * عند ملمّ الزّمان والكربواللّه لا أخذل النّبيّ ولا * يخذله من بنيّ ذو نسب( لا ) تخذلا وانصرا ابن عمّكما * أخي لأمّي من بينهم وأبيانظر ، الدّيوان : 42 ، تفسير الآلوسي : 30 / 183 ، تفسير البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي :
8 / 489 ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : 14 / 76 دار إحياء الكتب العربيّة عام ( 1967 م ) ، الإصابة لابن حجر العسقلاني : 7 / 198 ، دار الكتب العلمية ، العثمانية للجاحظ : 214 .
إذا ، ثلاثة لا رابع لهم . . . الإمام المتبوع محمّد ، والمأموم التّابع امرأة لا ثانية لها في النّساء ، ورجل لا ثاني له في الرّجال . . . سبق لم يكتب إلّا لعليّ وخديجة فقط لا غير .
وقال المخرّفون : أجل ، ولكن عليّا كان غلاما ، وأسلم غيره ، وهو رجل كبير .
الجواب : وهنا يكمن السّر لعظمة عليّ وفضله على الجميع ، لقد صادفت الظّروف أن ينشأ غير عليّ في حجر الشّرك الرّجس وعبادة الأصنام ، وأن ينغمس في الجاهليّة وأوزارها إلى الآذان ، وأن لا ينطق بالشّهادة إلّا بعد أن عصى عوده ، وبعد أن شبعت الأصنام منه ومن سجوده لها . . وشاء اللّه لعليّ أن ينشأ في حجر النّبوّة والطّهر والإيمان ، وأن يؤمن بمحمّد ، وهو ندي طري ينزّل الأصنام من على عروشها ، ويضعها تحت أقدام الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله . . . شاء اللّه سبحانه أن يؤمن عليّ بمحمّد منذ طفولته ، ليكفيه وفقا لإرادة اللّه وإرادته ، ويهيئه لخلافته ، وقديما قيل : « من شبّ على شيء شاب عليه » . . . وعلى الأقل أن لا تتذبذب شخصيّته وإيمانه بين ماضيه وحاضره .
هذا ، إلى أنّ عيسى عليه السّلام حيث تكلّم كان في المهد صبيّا ، ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله لمع نور النّبوّة في جبينه ساعة ولادته ، وكره الكذب ، والزّيف ، والخيانة ، وعبادة الأصنام في طفولته ، وكانت هذه من مكارم صفاته ، وأقوى الدّلائل - عند جميع المسلمين - على أنّ ذاته القدسيّة تنطوي على سرّ النّبوّة من يومه الأوّل . . .
وهكذا هو الشّأن في عليّ وطفولته فإنّها تحمل منذ وجودها وتكوينها بذرة الإمامة ، وسرّ الخلافة عن الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله .