ما يحمله من الحقد على الفضل ، فأراد يحيى أن يستعيد كيان ولده ويرد له كرامته ، فقال للرشيد :
« يا أمير المؤمنين ، قد غضضت من الفضل بلعنك إياه ، فشرفه بإزالة ذلك » .
وأقبل هارون بوجهه على الناس ، فرفع عقيرته قائلا :
« إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته ، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه » .
وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل وهي تعلن التأييد الشامل لتلك السياسة المتناقضة وهي ذات لهجة واحدة أعلنها أولئك الناس الذين لا يؤمنون بالقيم ولا بالمثل العليا قائلين :
« يا أمير المؤمنين ، نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت ، وقد توليناه » « 1 » .
ودلت هذه البادرة على ما منيت به الجماهير الاسلامية في ذلك العصر من فقدان الوعي والانحراف عن المبادئ الأصيلة ، ولو كان عندهم أي شعور ديني لما سجن الامام ، وما نكل به ويعود السبب في ذلك كله إلى عبث السياسة الملتوية في الأوسطا الاجتماعية ونشرها الفساد والتسيب في ربوع ذلك المجتمع حتى كان من نتائجه مواقفه المذمومة التي لا يحمد عليها بحال ، كما كشفت لنا هذه البادرة مدى الحقد والكراهية التي يكنها هارون في نفسه للإمام ( ع ) فقد نكل بالفضل وهو أعز الناس عنده وأقربهم إليه وأعلن سبه وشتمه لأنه رفه على الامام ولم يضيق عليه في مأكله ومشربه أما المدة التي قضاها ( ع ) في سجن الفضل فكانت قصيرة للغاية ، وذكر الرواة أنها كانت أياما .
وقبل أن ننهي المطاف عن هذا الفصل نود التنبيه إلى أنه قد شاع ان الامام سجن في واسط سنة كاملة ، ولكن المصادر التي بأيدينا لم تنص على ذلك ، ولعله ذكر ولم نعثر عليه .
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين : ص 503 - 504 .