« أما واللّه يا ابن العاص إنك لبطر في الرخاء ، جبان عند اللقاء ، غشوم إذا وليت ، هياب إذا لقيت ، تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجرى الشوك ، لا يستعجل في المدة ، ولا يرتجي في الشدة ، أفلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا ، ولم يمزقوا كبارا لهم أيد شداد وألسنة حداد ، يدعمون العوج ، ويذهبون الحرج ، يكثرون القليل ، ويشفون الغليل ، ويعزون الذليل ؟ »
فلم يطق ابن العاص جوابا وبقي يفتش في حقيبة مكره عيبا يوصم به عبد اللّه فلم يجد شيئا سوى افتعال الكذب فقال :
« أما واللّه لقد رأيت أباك يومئذ تخفق احشاؤه « 1 » وتبق أمعاؤه وتضطرب أصلاؤه « 2 » كأنما انطبق عليه ضمد » .
فانبرى إليه عبد اللّه مجيبا عن بهتانه وكذبه قائلا له :
« يا عمرو ، إنا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوبا غادرا ، خلوت بأقوام لا يعرفونك ، وجند لا يساومونك ، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ عليك عقلك « 3 » ، ولتلجلج لسانك ، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي أثقله حمله » .
والتفت إليهما معاوية فقطع حديثهما قائلا : « إيها عنكما » ثم أمر باطلاق سراح عبد اللّه ، فاستاء ابن العاص لهذا العفو ، وانبرى إلى معاوية يحرضه على الفتك والبطش به ويذكره مواقف أبيه هاشم في أيام صفين وقد نظم ذلك بأبيات من الشعر قال :
هامش
( 1 ) تخفق : أي تضطرب .
( 2 ) الاصلاء : أواسط الظهر .
( 3 ) جحظ عقله : أي نظر إلى رأيه فرأى سوء ما ارتأى .