وناداهم بأعلى صوته مثل ندائه الأوّل ، فقطعوا يده اليسرى ، فاحتضن المصحف ، ودماؤه تجري عليه ، وناداهم إلى العمل به ، فقتلوه ، قطّعوه إربا إربا ، فقال الإمام :
« واللّه ما كنت في شك ولا لبس من ظلالة القوم وباطلهم ، ولكن أحببت أن يتبيّن لكم ذلك » ) « 1 » .
أحبّ الإمام أن يبيّن للنّاس وللأجيال أنّه ومن اتّبعه على حقّ وهداية ، وأنّ من حاربه وعانده على باطل وضلالة ، أراد أن يقيم الدّليل المحسوس الملموس على أنّه إمام العدل والرّحمة ، وخصومه أئمّة الظّلم والجور :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
« 2 » .
وهكذا فعل ولده الحسين يوم الطّفّ ، فما أن كانت صبيحة اليوم العاشر من المحرّم حتّى لبس عمامة جدّه رسول اللّه ورداءه ، وتقلّد سيف جدّه ، وركب ناقة أو فرسه المعروفة ، ووضع المصحف أمامه ، واتّجه إلى الّذين تجمعوا على قتله ، وشرّعوا السّيوف والرّماح في وجهه ، ورفع يديه إلى السّماء ، وقال على مسمع من الجميع :
« أللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ، وأنت رجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصّديق ، ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك ، وشكوته إليك رغبة منّي إليك عمّن سواك ، ففرجته عنّي وكشفته وكفيته ؟ ! فأنت ولي كلّ نعمة وصاحب كلّ حسنة
هامش
( 1 ) انظر ، الفتوح لابن أعثم : 1 / 465 ، ابن حزم في الجمهرة : 162 ، الأغاني : 10 / 203 ، شرح النّهج لابن أبي الحديد : 9 / 112 تحقيق محمّد أبو الفضل ، تأريخ الطّبري : 3 / 517 و ، 5 / 206 و 216 ، و : 3 / 522 ، أسد الغابة : 3 / 308 ، نسب قريش : 193 ، مروج الذّهب : 2 / 9 و 13 .
( 2 ) الأنفال : 42 .